واستعرض الشبان يومئذ فردّ من استصغره عن القتال وأجاز من رآه مطيقا وتعبت قريش للقتال وهم في ثلاثة آلاف فيهم مائتا فارس ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ودفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيفه إلى أبى دجانة سماك ابن خرشة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب ثم قاتل المسلمون قتالا شديدا وكان شعار المسلمين يومئذ « أمت أمت » وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار فانهزموا وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحفظه وقالوا : يا قوم ، الغنيمة الغنيمة ! فذكرهم أميرهم عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يسمعوا فظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر وكر فرسان المشركين فوجدوا الثغر قد خلا من الرماة فجازوا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين فأكرم اللّه بعضهم بالشهادة وهم سبعون وولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته - إحدى أسنانه التي بعد الثنيتين الأماميتين - اليمنى وكانت السفلى وهشموا البيضة على رأسه ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخذ علىّ بيده واحتضنه طلحة بن عبيد اللّه وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علىّ بن أبي طالب ونشبت « 1 » حلقتان من حلق « 2 » المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما فسقطت ثنيتاه « 3 » من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان - والد أبي سعيد الخدرىّ - الدم من وجنته وأدركه المشركون يريدون ما اللّه حائل بينهم وبينه فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم « 4 » عنه ، وترس أبو دجانة بظهره عليه والنبل يقع فيه وهو لا يتحرّك ، وصرخ الشيطان بأعلى صوته أن محمدا قد قتل ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين وفرّ أكثرهم وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، ومرّ أنس بن
هامش
( 1 ) علقت .
( 2 ) زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة .
( 3 ) الثنايا الأسنان الأربع التي في مقدّم الفم ثنان فوق وثنتان تحت .
( 4 ) نحاهم عنه .