وقد زارني صادق باشا وزرته مرات فوجدت فيه عاقلا نابها وعالما متضلعا وشهما مخلصا يقدّر الأمور حق قدرها ويعمل للدولة كل ما فيه إصلاحها ورقيها ولكن ذلك لا يعجب الشريف بل يريد عاملا إذا أمره أطاع وإذا أغرض ساعد وكان من أمره مع صادق باشا أنه لما أتم الخط البرقي بين الشام والمدينة وشرع في مدّه إلى مكة قابل الشريف فسأله أىّ الطرق يسلكه الخط البرقي فقال :
« الطريق السلطاني » فامتعض الشريف وقال : بل الطريق الشرقي وخاطب الباب العالي في ذلك فأيده في قوله وجاء الأمر لصادق باشا بأن يذعن لقوله ، فلم يسعه إلا التسليم مع أن الطريق السلطاني طريق مأمون عامر البلاد والسكان والآبار ولكن الشريف كبر عليه أن لا يمرّ الخط ببلدته « صفينة » بالطريق الشرقي فضرب برأي الباشا عرض الحائط مع أنه محض الصواب والمصلحة وعرض الخط لسطو اللصوص وعبثهم به وبالقائمين بمدّه ، على أنى أجزم بأن الشريف هو الذي حرضهم على ذلك وكتب إلى السلطان بأن العربان قطعوا الأسلاك انتقاما منه لا خلاصه لسدتكم وأنه أرسل إليهم عساكره فأدبوهم وضربوا على أيديهم فأرسل له السلطان مكافأة على ذلك 1500 ريال و 60 جبة جوخ ليفرقها على عساكره فحرّضهم على التخريب ليتوصل إلى هذه المكافأة ومن جهة أخرى فإنه يكره سهولة المخابرة مع الدولة لأنه لو خالفها استطاعت في زمن وجيز أن تجلب عليه من خيلها ورجلها مالا قبل له به ، ويؤيد ذلك أنى لما حججت في سنة 1325 ه . وسلكت الطريق السلطاني سمعت مشايخ العربان يقولون إن الشريف عرفنا أن مد الخط الحديدى إلى الحجاز يمكن الألمان من بلادهم وينزل الضرر بهم وبأرزاقهم لأنه سيحرمهم نقل الحجاج وأمتعتهم وذلك مصدر من مصادر عيشهم وأن ذلك ينشر الحرية بين الناس فيقف السيد مع عبده جنبا إلى جنب في المقاضاة ويخاطبه خطاب الند للند وترى الجارية منزلتها بمنزلة سيدها والأعراب قاطبة من أبغض الناس لهذه الأمور لأن الخدمة الخارجية
مرآة الحرمين — صفحة 381
مساهمون: ابراهيم رفعت باشا
ص٣٨١