المسلك سرنا فيه فرادى سبع ساعات وكان يعلو بنا تارة وينحدر أخرى وقد وجدنا قبل وصولنا إلى المدينة بقريب من ثلاث ساعات غديرا يمثل جزءا من نهر النيل في اتساعه وقت الفيضان ويقال له غدير الأغوات ، وكذلك يوجد خارج المدينة جملة آبار مررنا بها وماؤها مالح لا يصلح للشرب وأكثرها مردوم غير معتنى به .
* * * ولا يفوتنا أن نذكر لك أنه عند قيامنا من مكة قام معنا مائتا جمل وجمل محملة أسلاكا ومغازل - ما يلف حوله السلك بالعمود - لخط الإشارات البرقية الذي شرع في إنشائه بالطريق الشرقي بين مكة والمدينة فسارت معنا آمنة مطمئنة ووزعت تلك الأحمال على المحطات التي انتخبها الشريف لذلك حتى محطة الحجرية قبل المدينة بمحطتين وقد كان بعض العربان يسألني عن السلك والغرض منه ومن توزيعه فكنت أبين له منافعه العامّة والخاصة من تسهيل المخابرات وتعيين مرتبات لمن يحافظ عليه فكنت أرى فيهم الغيظ والتذمر وكنت أراهم يتحدث بعضهم إلى بعض في شأنه كأنما يأتمرون عليه وقد تحقق ذلك فإنه بعد وصولنا إلى المدينة بيومين بلغنا أن العربان قطعوا الأسلاك وحرقوا 1200 عمود من الخشب كان يحملها 300 جمل من جدة ، فسطا عليها العربان ونهبوها وقتلوا بعض جمالتها ولجأ الباقي إلى الجبال والفيافي وبعد أن بلغنا الخبر بأسبوع قدم إلى المدينة الفريق صادق باشا العظم المنوط به إنشاء الخط البرقي ومعه ركنه - أركان حربه - وبعض خدمه فارّين من العربان الذين أرادوا بهم سوءا لما علموا أن صادقا هو القائم بذلك ، وكان حضورهم من طريق الساحل إلى ينبع ومنها سلكوا إلى المدينة طريقا غير معتاد يسمى طريق بويط ينتهى شمالي المدينة بمحطتين ولما وصل في مسيره إلى محطة « الملاليح » شمالي المدينة أخبر الدولة برقيا بما حصل فعزلته وعينت « فريقا » بدله إرضاء للشريف عون الرفيق باشا وهكذا تعمل مع كل موظف يخلص في عمله فيتصادم حقه بباطل الشريف وهواه فيشى به إلى أولي الأمر بالآستانة فيعزلونه ويولون غيره .
مرآة الحرمين — صفحة 380
مساهمون: ابراهيم رفعت باشا
ص٣٨٠