قدوم عبد اللّه باشا وكاخيته فسال صاحب السعادة عن حاله فلما ان بلغه ان عبد اللّه باشا بغايه العنا والاكتياب لجهله بمراحم صاحب السعادة وفي الحال امر بتوجيه قنجه من قنجاته الذي كان حضر بها ان تسير إلى المركب لكي يأتي عبد اللّه باشا وكاخيته بها إلى السرايا العامرة حيث سار سعادته بالوقت والساعة . وبوصوله امر كنج عثمان وكيل خرج الليمان ان يمضى بتلك القنجه إلى ملاقاة عبد اللّه باشا حيث إن ذلك الرجل له معرفه قديمه مع عبد اللّه باشا وان يطمنه ويسكن روعه . ثم دخل محمد على باشا مع أرباب دولته إلى الديوان وجلس في مجلسه المعتاد و [ لاحت ] عليه علامات الغيرة الناتجه من حنوه وشفقته . ولبث مقدار ربع ساعة لم يتفوه بكلمه واحده . ثم قال بلغني بان عبد اللّه باشا معتريه الوهم الكلى ولكن انا مرادي افرّج عنه كربه وابطّل بهذه المدة الكورنتينا وانزّله من المركب قبل بوقت لكي يا من قلبه ويرتاح باله
ثم في وصول عبد اللّه باشا قوست القلعه الاطواب . وكانت الخلق تتزاحم لأجل مشاهدته وكثيرين من أرباب الدولة المصرية كانوا منتظرين على شاطى البحر نزول عبد اللّه باشا إلى البر . وعند خروجه هو وكاخيته التقت به أصحاب الوظائف والرتب وساروا به إلى السرايا وهو طارق نظره معتدل القوام رقيق الجسم بلحيه [ 382 ] سودا ووجه عبوس عمره نحو خمسة وثلاثين سنه لابس ثوب جوخ ازرق طويل على شكل الكبوت من فوق بدلته نظام افرنجيه كسم ملبوس اسلامبولى الان وعلى رأسه شال كشمير ملفوف من غير اعتنا . ثم في وصوله للسرايا صعد سلم القصر وفي دخوله الديوان خانه وجد في جملة الانتظار له وفي الصدر جالس صاحب السعادة والمحل بغير تنوير . وفي دخوله الباب نهض محمد على باشا والتقاه بوجه باش لكي يبرّد لهفته .
فاطرق عبد اللّه باشا رأسه وارمى نفسه على اقدام سعادته لاثما ذيله السعيد وتكلّم بصوت مرعوب يفيض الدموع من عينيه هاتفا اغفر لي أيها المولى عن قباحتى كما أن اللّه اوهبك نعم الملوك فهل يكون حلمك احلم . فناوله محمد على يده وانهضه ثم اجلسه جانبه . فجلس عبد اللّه باشا على ركبتيه . وابتدى محمد على باشا ان يلاطفه بالكلام المملو حلاوة وشفقه . وقسم له بإزالة الأحقاد من قلبه بالكلية وانه من الان وصاعدا قد صار عنده بمنزله ولده . ثم اجلس كاخيته . ومن بعد القهوه آمر باحضار الشبق فاستأذن عبد اللّه باشا انه لا يشرب فآمره ان يأخذ الشبوق ويشرب . ثم بعد ذلك آمر صاحب السعادة بانصراف الحاضرين واستقام بخلوه مع عبد اللّه باشا وكاخيته نحو ساعة .
لبنان في عهد الأمراء الشهابين — صفحة 860
مساهمون: حيدر أحمد الشهابي
ص٨٦٠