تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
الكبير - لا أبالغ كان رحمه اللّه - أكولا ، ففي الصباح عندما يمسح زوره على الريق يشرب أربع بيضات . . . ساخنة قبل الأكل ، فإذا ما شرب خمرا تجد الكاس أمامه كأسا كبيرا مليئا من العرق الممزوج بالماء البارد ، حتى أطلعنا عليه اسم " الأطرميز اللبن " . . . وإني أسوق للقارئ مدى قوة صوته أنه في ذات ليلة من سهراتنا في دار الجوهرية كان - رحمه اللّه - يجلس في وسط الصالون ينشد بعض قصائده حتى علمنا أن عائلة أم يوسف عبده في حارة النصارى « 1 » كانوا جميعهم يسهرون على البلكون يستمعون إليه ، ويتفهمون كل كلمة نطق بها فتأمل . هذه صورة وجيزة عن صديقي وأخي المرحوم الشيخ أحمد الطريفي ، فقد خسرت بوفاته سندا في الموسيقى ، وأصبحت - واللّه أعلم - يتيما في الفن . والجدير بالذكر أنه كان لا يقبل أن يعد أحدا بالقدس ممن يدعونه لحفلة ما ، إلا وأكون أنا الوسيط ، فتأمل . . . رحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه .

تعيين راغب بك النشاشيبي رئيسا لبلدية القدس

عينت حكومة الانتداب فور بدء الإدارة المدنية في سنة 1921 راغب بك النشاشيبي رئيسا لبلدية القدس وذلك عوضا عن المغفور له موسى كاظم باشا الحسيني الذي استقال لأسباب سياسية كما بينت ذلك أعلاه . كان راغب بك النشاشيبي - آنذاك - في حلب ، وقد استدعي خصيصا لهذا الغرض ، وإني أذكر ، بصفتي من المقربين لراغب بك الذي كنت على اتصال دائم معه في جلساته الطروبة ، أنه عندما استلم وظيفة رئاسة البلدية ملأ بالفعل هذا الكرسي الرفيع ، حتى أني لا أبالغ إذا قلتها صراحة إنه جعل منها أشبه بملك وليس رئيس بلدية ، فإذا ما رغبت مواجهته في الدائرة ترى العجب العجاب ، فيدخلك الحاجب ويسلمك لآخر خلف ستائر ( برافانات ) إلى أن تشاهد تلك الشخصية الفذة . كان راغب بك كريم النفس ، وكما يقولون كساب وهاب . . . وقد امتاز بجوده وكرمه وطريقة عيشته على كثيرين من أبناء القدس ، وكان - والحق يقال - مفخرة لأهل بيت المقدس ، وخصوصا عندما يستقبل الغرباء الذين يزورون القدس ، وله حوادث غريبة في هذا الباب يصعب عليّ ذكرها . وحقيقة ، بواسطة أسلوبه هذا ، قد كان يستهوي كل من عرفه ، وينال منه ما يرغب ، وأذكر هذا الحادث الصغير الذي يبين للقارئ لمحة على وجوده : كان راغب بك يعيش قبل تعيينه رئيس بلدية في بيته القديم ، أي بيت والده المرحوم الشيخ رشيد النشاشيبي وحيدا . وكانت زوجته اليهودية التي مر ذكرها تسكن بيتا خاصا في شارع يافا . إني أذكر جيدا عندما تعين رئيسا لبلدية القدس كان لم يزل يحتفظ بتك العربة التي يجرها الحصان الإنكليزي . فكان - رحمه اللّه - يأخذني إلى مخزن بيت صليل الواقع في شارع يافا وهو المكان ذاته الذي بني فيه الآن بنك باركلس ودائرة البلدية . كان يأخذ في عربته على سبيل الإعارة كمية من التحف من صنع يهود اليمن في معمل بيت صليل المشهور المصنوع من الفضة والنحاس ومزهريات وشمعدانات وأواني للسكاير ، وبلابل للسيجارة وغيرها ، وكنت وإياه عند وصولنا إلى بيت والده الشيخ رشيد نرتب هذه التحف في الصالة باعتبار أنها من بعض أثاثه . وقد بدأ حال تعيينه بإقامة الحفلات النادرة
هامش
( 1 ) بين مقام الشيخ ريحان في حارة السعدية - وهي مكان بيت الجوهرية - وبين حارة النصارى مسافة 400 متر تقريبا ، وهي المسافة التي يشير إليها واصف جوهرية .