المغني الشهيد الشيخ أحمد الطريفي
ساعدني الحظ بالتعرف على المرحوم الشيخ أحمد الطريفي في إحدى سهراتي ، وكانت عند أخي وصديقي المحامي فخري بك عاصم ، وقد ضمت ليلة الأنس هذه نخبة من أبناء القدس الكرام أمثال كامل أفندي البديري ، وداود الفتياني ، وتحسين الخالدي ، واسحق البديري ، والشيخ محمد الصالح ، والشيخ موسى البديري وغيرهم ، وكان أصدقاء المرحوم الشيخ أحمد الطريفي من أهالي يافا المرحوم عمر البيطار ، وديب الجغليط وغيرهم ، وقد أجاد الشيخ أحمد في غنائه ، الأمر الذي جعلني أشبه بمن يرقص على عوده . . . فكنت أنا الوحيد الذي يترجم ما ينشده من قصائد على عودي ، وقد دهش مني ورمقني بعطفه وحبه بواسطة الفن الرفيع .
إنني لا أبالغ إذا قلت صراحة إن صوت المرحوم الشيخ أحمد الطريفي من أرقى الأصوات القوية المشبعة حقا ، وإن غناءه كان في الغالب القصائد ، ولو كانت خالية من التفنن في اللحن ، بل كانت صلبة تعبر المعنى أكثر من المغنى . . . كما يقولون الأمر الذي يجعل المستمع إليها بالنسبة إلى أسلوبه في الأداء الذي يشبه تلاوة القرآن ، وثم بالنسبة إلى قوة صوته
Tenor
يجعل المستمع يطير فرحا وطربا من حيث لا يدري . ومن بعض القصائد التي كان ينشدها - رحمه اللّه - وأكثرها من مقام الجهاركا ( تحيرت والرحمن لا شك في أمري وصلت بي الأكدار من حيث لا أدري ، نالت على يدها ما لم تنله يدي . . .
الخ ، أشكو إلى اللّه من نارين واحدة . . . الخ ، قالت لقد أشمت بي حسدي . . . الخ ، الزم باب ربك واترك كل دون . . .
الخ ، إن رمت المعالي والفرح المقيم . . . الخ ) .
كنت أرتاح جدا عندما ينشد قصيدته المشهورة ، وهي أقوى تلحينا ومن مقام السيكاه ، ربما كانت هي الوحيدة من هذا المقام . . . مطلعها :
" جرحت قلبي بلحظ منك فتاك * فمن بذا يا حياة الروح أفتاك "
كان المرحوم الشيخ أحمد الطريفي مقرئا وقد أجاد في زمانه في هذا الباب ، ولأجل الصدف قد تمسك المرحوم بصداقتي لأنه أعجب بما أنا عليه من تعشق للموسيقى ، وكانت سهرة الأنس هذه فاتحة عهد صداقة متينة بيننا ، الأمر الذي جعل الشيخ أحمد أن يصطفيني من أهالي القدس ، فارتفعت الكلفة بيننا وأصبح لنا أخا وصديقا مخلصا ، وإني أذكر أنه بعد تلك الليلة ذهب إلى يافا ورجع القدس بعد حوالي أسبوع ، فنزل في بيتنا دار الجوهرية محلة السعدية ، وأقام بيننا مدة اثنين وأربعين يوما ، وقضينا هذه الأيام والليالي من أطيب وأحسن أيامنا وليالينا . كان - رحمه اللّه - في الصباح عندما يقوم من نومه يتقدم بكل حشمة ووقار فيقبل أيادي المرحومة الوالدة ، ويرتاح لكسب رضائها ، وكأنها والدته لا فرق بيننا وبينه وهكذا كانت الصداقة بالمعروف آنذاك والحمد للّه .
لا أبالغ إذا قلت إن الشيخ أحمد الطريفي كان يعتبر من أجمل شبان عصره ، ذا قامة طويلة منتصبة ومتناسبة في أعضائه وقوامه ، وربما كان يفوق الدكتور يعقوب نزهة طولا ، وكان وجهه جميلا أنيسا مبتسما وشخصية فذة ، وكان لباسه العربي القنباز الغباني الروزا وعباءته السوداء المصرية " سلطان الأصواف " تزيده جمالا وروعة وأناقة . كان بالنسبة لهذا الجسم