في هذا البيت لأعظم موظفي الانتداب البريطاني ، فكان مجالس أنس فريدة تضم شخصيات بارزه من المحتلين وزوجاتهم ورؤساء الدوائر إنكليزا وعربا ويهود . وعندما تنظر سيدة ما إلى تحفة من هذه التحف يشير إلي بنظرة سرية ، فأحتفظ فورا بالتحفة بعدما أحصل منه على اسم تلك السيدة ، وثاني يوم من الحفلة أذهب بنفسي وأقدم لها في بيتها تلك التحفة من راغب بك كهدية متواضعة للذكرى .
بقي على هذه الطريقة حتى ذهب إلى الآستانة ، وجاءنا بزوجته المعهودة المسيحية وهي أرمنية ، الماهرة في الدعوات ، والتي تتقن بضع لغات ، فارتفعت أسهم راغب بك وأصبح بيته مشهورا بما يضم ويحتويه من أثاث فاخر وسجاد عجمي ، الأمر الذي ملك قلوب رؤساء الحاكمين في هذه البلاد ، وكان - رحمه اللّه - بعد زواجه من زوجته المسيحية يقص عليها بحضوري ما كنا نعمله في الحفلات الابتدائية ، فتجيبه إذا الفضل لواصف . . . في هذا المجال وليس لك فيوافق .
المرحوم كامك أفندي البديري
تعرفت بالمرحوم كامل البديري منذ حداثتي بمناسبة مجالس الأنس التي كنا نقضيها برياسة حسين أفندي الحسيني ، وكان كامل يدعو حسين أفندي بالخال ، ربما قرابة بعيدة كانت بواسطة الأم بينهما . كان كامل - رحمه اللّه - رجلا عظيما ووطنيا غيورا يتفانى بحبه للعرب والعروبة ، وكان موظفا في زمن العهد العثماني ، فكان مدير ناحية للرملة ، وبعدها مدير ناحية أريحا ، وهو من أهالي القدس المعروفين ، وشقيق الشيخ موسى البديري . وقد تعرف بإحدى بنات طائفة الروم تدعى حنة أبو الشر عندما كان والدها يشغل فندق الجمل الكائن في عمارة البلدية الواقعة خارج باب الخليل ، التي استعملت كدائرة لبلدية القدس في زمن المرحوم حسين أفندي الحسيني سنة 1908 . زاد عشق كامل لحنة أبو الشر ، وأصبح موضوع بحث أهالي مدينة القدس ، إلى أن أسفر اعتناق حنة الدين الإسلامي ، وتزوجت من كامل زمن الحكم العثماني ، وكان - والحق يقال - حادثا غريبا ونادرا حدوثه في ذلك الزمن ، الأمر الذي جعل هاويا بأن ينظم ويلحن طقطوقة لهذه المناسبة ، وأصبحت تردد في مجالس الأنس والسهرات والأفراح في بيت المقدس ، وكنت أنا أغنيها وأعزفها على عودي ، وأنا في أول عمري ، وهذه بعض أبياتها أدونها للذكرى :
حنيني يما يما حنيني * لا تجنن واطلع عن ديني
يا عربجي دير الفيتون « 1 » * ع دار البديري وديني « 2 »
دور
حنة واقفة ع البلكون * تنده لكامل بالتلفون
طقوا موتوا يا بنات الروم * دين محمد على ديني
هامش
( 1 ) الفيتون هو عبارة عن عربة يجرها حصان واحد ، وكانت هذه العربة تستعمل عادة عند الأفندية والبكاوات .
( 2 ) وديني : خذني .