وبناء عليه ، قد صدر العفو التام على المدعى عليه والحكم على المدعي وحاشيته بأن يصفحوا عنه ويسامحوه . . . وهناك التصفيق الحاد والصياح ، فأشبعنا بعضنا قبلا ، وخصوصا أندريا القسيس الذي لن ينسى وقفته مع صبحي حاملا العود لينتظر الساعات الطويلة في شارع يافا . . آه . هذه حادثة من حوادث عديدة طريفة يصعب تدوين الكثير منها . . . فسقيا لأيامنا ما كان أطيبها أفندم .
المرحومة عفيفة : " وعند صفو الليالي يحدث الكدر "
بمناسبة عيد القديس ميخائيل قضيت تلك الليلة في بيت المرحوم ميخائيل منصور والد صديقنا حنا ، وكانت - والحق يقال - ليلة من العمر تجلى فيها الطرب والغناء والسرور إلى مطلع الفجر . كانت هذه السهرة في دار منصور حارة النصارى بجوار دار إلياس قزاز ، وكانت مجموعة من العائلات المعروفة من أبناء الطائفة معارفنا أمثال عائلة المني ، وعنصرة ، وحرامي ، وثيودوسي ، وشبر ، ومحشي ، وغيرهم ، لأن زوجة المرحوم ميخائيل منصور صاحب الدعوة هي أخت متري عبد اللّه المني جارنا وجار الرضا .
وإني أذكر عند مطلع الفجر تركنا دار منصور والجميع منا يردد الأغاني التي كنت أغنيها في أعلى صوتي ، وأعزف على العود في الشوارع ، إلى أن وصلنا دار الجوهرية المعلومة في حي السعدية ، والجدير بالذكر أننا عرجنا على معصرة للسيرج « 1 » بجانب فرن الزردق ، فدخلنا ونحن جميعا على جانب عظيم من الحظ ، وتناولنا ما تيسر من الكسبة الطازجة من حوض المعصرة .
ولكن أقولها صراحة عندما دخلنا الدار انقلبت والعياذ باللّه تلك الأفراح إلى أتراح . فقد وجدنا الأخت عفيفة على آخر رمق من الحياة ، وقد فارقت بعد لحظات حياتها ، وخلفت لنا الحسرة . تصور وتأمل جليا بهذه الصدمة والموقف الحرج ، فكنت لم أستطع آنذاك أفرق ما بين نشوة السكر والحظ وبين الأسى . . . في تلك الجنازة المحزنة والمأتم ، وقد أحاط بي المواسون . . . كل منهم يبحلق في عيوني المحمرة والدموع تنهار منها كالسيل ، وقد امتزجت دموعي بما شربته من الخمر في تلك الليلة النادرة .
أما حادث وفاة المرحومة فكان فجائيا ، فقد أتت لزيارتنا قبل يوم واحد فقط ، وأصابها وجع أليم في الباطنة ، فزارها الطبيب الفرنكي فطمئن الوالدة على حياتها ، وقال الحاصل أنه برد شديد ليس إلا . . . وهكذا توفيت وهو حاضر وقد تركها ولم يعلم أنه ربما المصران الأعور الذي التهب وسبب لها الوفاة . خلفت المسكينة وداد ونهيل ونبيهة صغارا ، وكان عمرها لا يزيد على الثلاثين عاما على ما أعلم ، رحمها اللّه رحمة واسعة وأسكنها فسيح جنانه . آه
هامش
( 1 ) معصرة للسيرج : زيت السمسم ويستخرج من عصر حبوب السمسم .