لم تنجب حنة من كامل أولادا ، وأعتقد أنه طلقها في النهاية ربما بعد الاحتلال البريطاني ، وقد سجلت هذه الأغنية مع جملة أغان شعبية قديمة التي كانت تغنى بالقدس عند ابنتي يسرى « 1 » بصوتي ثم دون اللحن بواسطة الأستاذ سلفادور عرنيطة عندما خصص الزوجان بجمع الأغاني الشعبية في بيروت سنة 1959 ، وهي من مقام راست نوى . وقد تواصلت صداقتي مع المرحوم كامل بعد الاحتلال البريطاني ، وكان ناقما - رحمه اللّه - على الوضع بعد الاحتلال لما احتالوا على العرب ، ووعدوا اليهود بتأسيس الوطن القومي ، وهو وعد بلفور المشؤوم في فلسطين ، وإني أذكر في ليلة ساهرة في بيت البديري محلة باب الساهرة كانت مجموعة كبيرة من أبناء القدس ، وهو على جانب عظيم من الحظ . . . كان يخطب بحماس بينهم بلغته الركيكة ، ولكنها كانت مملوءة بالوطنية والشرف ، وكانت عيونه متجهة إلى فخري النشاشيبي يكيل له النصائح ، بل الشتائم بالوزن الثقيل . . . ويصحيه من غفلته عندما تعين ياورا خاصا في معية المندوب السامي السير هربرت صموئيل بالقدس ، وإني لم أزل أحتفظ بصورة تاريخية له لم تزل في المجموعة الجوهرية للذكرى .
كان كامل - رحمه اللّه - يأمر ابن أخيه خليل بن الشيخ موسى البديري بأن يقف عاليا على كرسي ، وكان آنذاك ولدا صغيرا ، ويلقي علينا بعض القصائد الوطنية والشعبية ، وكلها حماس ، وبهذا كان كامل فخورا ومسرورا ويهجم على ابن أخيه ويقبله بشغف ولهفة ، وكان يلقب ابن أخيه خليل بالبجوري .
لم يقبل كامل أية وظيفة زمن الانتداب البريطاني الذي يمقته ، بل بقي في أشغال حرة ، وأصدر جريدة الصباح سنة 1921 بالقدس ، ولكن مما يأسف إليه أن كامل البديري مات قتلا بغدر وخسة ، وذلك في صحراء العرب . . . رحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه ، فهو - والحق يقال - من قائمة شهداء الأمة العربية .
وإني أذكر جيدا عندما كنا في إحدى السهرات في حي باب الساهرة ، وكانت نخبة من أبناء القدس المخلصين يستمعون إلى عزف عودي وغنائي ، وكان المرحوم كامل البديري على جانب عظيم من الحظ ، « 2 » فقيل له أن بعض الجنود البريطانيين ، وكانوا في حالة رديئة من السكر - أعتقد أنها ليلة رأس السنة - كانوا يتجولون في أنحاء المدينة وأطرافها وهم سكارى يعربدون ويتعدون على الحانات . ولما علم كامل البديري بذلك وكان مولعا في عربته الخاصة التي كانت يقودها زوج من الجياد الجيدة ، إذ خرج من البيت ورأى بأم عينه شلة من هؤلاء الجنود يرغبون في الاستيلاء على عربته ، فقفز من على الأرض وكان لا يعرف اللغة الإنكليزية ، وببطولته وقوة سواعده ألقى اثنين من الجنود من على مقعد العربجي فطرحوا أرضا . . . بصورة فظيعة ومخطرة للغاية ، واستلم بالحال وبسرعة فائقة سرج الخيل وساقها وهو يقول لهم ولا جوني . . .
ولا جوني . . . وذهب إلى حي آخر من أحياء القدس إلى الصباح . ولكن حضرت قوة من الجيش وابتدأت بالتحريات والتفتيش والقوه على حي باب الساهرة عندما وجدوا أن الجنديين المطروحين أرضا كانا على وشك فقدهما حياتهما ، وهكذا أسعفهما ونقلاهما إلى مستشفى الجيش .
وقد اجتمعنا ثاني يوم بالمرحوم كامل البديري وهو يقهقه ضحكا ويشتم بريطانيا واليوم الذي احتلت بها بلادنا . والجدير بالذكر أن الجنود البريطانيين ، جيش الاحتلال ، عندما كان يسكر من نشوة النصر ويتجول في القدس قالها المرحوم كامل
هامش
( 1 ) توفيت يسرى عرنيطة ابنة واصف في الولايات المتحدة خلال تحرير هذا الكتاب في شهر آذار العام 2000 .
( 2 ) الحظ : التجلي النابع من السكر .