ذهبت ودخلت دار الجوهرية وأنا على جانب عظيم من الحظ ، وعند الصباح من نهار الثلاثاء عرجت على عيادة الدكتور طنوس ، فحصلت منه على رابور طبي « 1 » يبرهن مرضي نهار الاثنين فاستلمت الرابور وقصدت السراي وقدمته إلى رئيس الكتبة المستر ما كفرسون . وهناك البكاء وصرير الأسنان عندما دخلت المكتب ، فكانت عيون الزملاء تبحلق في ولو أمكنها تقطيع جسمي إربا إربا من شدة غيظهم لعدم حضوري الشطحة التي كانت فيها عاقتي طيلة نهار الأحد موضوع البحث ليس إلا ، إلى أن رجعوا جميعهم عند المساء وكل يشتم واصف في السر والعلانية ، فمنهم كان يتحدث إلي رسميا بالوظيفة أما صديقنا أندريا القسيس وصبحي عويضة فانقطعت بيننا العلاقات الدبلوماسية ، ولم يكلماني مدة طويلة إلى أن اللّه أرسل لنا الحكم للبت في هذه المشكلة ، ألا وهو الأخ الأكبر متري فراج ، وبعد فتح الجلسة لأول مرة جاء أندريا وقدم شكواه من طقطق لسلام عليكم . . . وبعدها سألني الحاكم هل أنت مذنب يا واصف ؟ أجبته كلا يا سيدي ، وحدثته ما جرى لي مع السكسك بالتفصيل بعدما أقسمت له بأغلظ الإيمان .
وهات يا ضحك في قاعة المحكمة . ولكن حديثي قد زاد غضب ونرفزة أندريا ، وقال هذا شيء عجيب ، إنه عذر أقبح من ذنب . وبعد الاستراحة صدر القرار الآتي :
بعد دقة النظر في هذه القضية ، فقد رأت المحكمة أن المدعى عليه واصف جوهرية على حق في كل ما جرى وحدث ، نظرا للأسباب الآتية :
1 . من عرف واصف حق المعرفة وحبه المتفاني ، بل عشقه لفن الموسيقى منذ حداثته ، لا يعجب عندما يراه مجتمعا بالمطرب درويش السكسك ، وهو في الحالة التي وصفها لنا بين الحسان ، ولن يترك مجلس الأنس هذا والفريد من نوعه .
2 . وبالنظر لفنه لا يجرؤ على رفض السكسك ، بل حبا بالفن وتقديره للطرب فقد لبى بطيبة خاطر طلب السكسك ، وأخذ المقورة وساعدني في نقر الكوسا .
3 . ولو بالفرض رفض واصف المدعى عليه طلب السكسك والحسان الثلاث لكان قد بقي السكسك في ذلك البيت ، وعند رجوع واصف وحده فلن يصدقه أحد من الزملاء ، ولكان أصبحت وقعته سوداء ، وخصوصا مع أندريا .
4 . أما قضاء واصف ليلته في ذلك البيت وفي ذلك الجو ، فلن يعاتبه عليها أحد ، وقد أبرز بالفعل تقريرا طبيا وقبل هذا التقرير ، فو الحالة هذه ، فإن الطريقة التي تغيب فيها عن الإدارة كانت ولا شك قانونية من حيث الوظيفة .
هامش
( 1 ) رابور : تقرير .