الماجور هدوك جونز ورجله
وعلى ذكر الماجور جونز أذكر هذه الحادثة الطريفة التي حدثت معي وإياه وإن دلت على شيء فهي تدل أولا على برودة الإنكليز ، وثانيا صداقتي المحشوة بالفكاهة مع الدعدوش . اشتد الشغل بكثرة عليّ في قلم الماجور جونز في ذات يوم من الأيام بصورة فظيعة ، فالإيوان مغتص بالمراجعين من أصحاب الأملاك ينتظرون عقود الإيجار ، والماجور جونز يدخل غرفته فيوقع بعض العقود ثم يخرج لأداء وظائفه العديدة في الجندية مع زملائه الرؤساء في العمارة ، وقد صادف خروجي من قلم التحريرات لأمر ما فعرجت على حنفية الماء الواقعة في إيوان العمارة العام ، وبعدما غسلت يدي جمعت في كفي الماء من تلك الحنفية الجارية وبدأت أشرب بشغف ولهفة . . . وإذ بشخص يهزني من كتفي بقوة . . . وأنا لم أزل في حالة الشرب فتأثرت وفكرت أن هذا الشخص هو الدعدوش لا محال . فرفسته بقوة في رجلي وشعرت بأنني أصبت الهدف فتألم من الضربة التي جاءت ولا شك في قصبة رجله في الحال ، وكنت في وقتها أتمتم ما جاءت به ذاكرتي من كلمات من الوزن الثقيل . . . يلعن . . . الخ .
وبعدما اكتفيت من شرب الماء حاولت أن أخرج المحرمة من جيبة بنطلوني من الخلف لأجل تنشيف يدي . . . بصورة هادئة للغاية لم أكترث للعبة الدعدوش هذه السمجة . . . فأدرت رأسي ونظرت وإذ كان هذا الشخص ليس الدعدوش ويا للأسف بل كان الماجور جونز بنفسه . . . واقفا ينتظرني ويريدني في غرض ما . . . فذبت يعلم اللّه في وقتها خجلا وخوفا وبدأت بالاعتذار المتواصل مؤكدا له بأنني كنت أظنه الدعدوش فتبسم . . . وقال لي ببشاشة "
Never mind , go in Wasef
" .
وإني أقولها صراحة أنني لم أر هذا الماجور ضحك أو تبسم منذ أن عرفته إلا في هذا الحادث الذي أعتقد بأنه تألم من ضربني ، وبعدها تساءلت في نفسي ودهشت من برودة الإنكليز وقلت واللّه لو أن هذا الفصل قد جرى مع أحد ضباط الجيش التركي لكان قضي علي تماما ، وأنا أشرب الماء . . . وقلت وللّه في خلقه شؤون . وحقيقة وبواسطة برودة أطباع الإنكليز انتصروا على الشعوب واستعمروا بلادهم وثرواتهم .
صديقي وزميلي في الوظيفة سامي هداوي
كانت معرفتي بسامي هداوي منذ تعييني في سراي حاكم القدس العسكري ، فكنت موظفا بسيطا في قلم التحريرات وهو في وظيفة
( Batman )
« 1 » للمستر هندرسون رئيس الصحة بعد الاحتلال الذي كان يسكن في غرفة في الطابق العلوي لسراي الحاكم عمارة الألمان باب العامود بعد الاحتلال البريطاني . وقد زادت معرفتي لسامي عندما تعين معي في القسم العائد للماجور هدوك جونز كما بينت سابقا في هذا الكتاب ، وأصبح كاتبا بسيطا . وإني أقولها صراحة بأن سامي وإخوانه إدي ووليم وجيمس من أذكى الشبان الذين رافقونا في الحياة ، فإنهم ولا شك عصاميون ، وأصبح كل منهم ، وعلى الأخص سامي ، من أشهر موظفي حكومة الانتداب .
وقد أخذت هذه المعلومات عن أصله من العم العبد بدران جد الدكتور جليل « 2 » ما يلي :
هامش
( 1 )Batman: المساعد الشخصي للضابط في الرتب العسكرية البريطانية .
( 2 ) جليل بدران : من رجالات مدينة رام الله . أصبح رئيسا لبلدية رام الله في الخمسينيات ووزيرا في الحكومة الأردنية العام 1957 .