تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
قصور طنوس المقامة في حي الطالبية التي لم أزل أذكرها ليومنا هذا بكل سرور . والجدير بالذكر محبتنا ازدادت يوما عن يوم ، وكما قال المثل " محبة الآباء تتصل بالأبناء . . " ، فقد صادف أن ولدنا جورج أصبح أخا لجورج ابن الدكتور عزت طنوس بصفته زميلا له في الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت ، وذلك بعد نكبة فلسطين التي أجبرتنا على أن نترك الوطن العزيز ونصبح متشردين في الأقطار العربية المجاورة .

الماجور هدوك جونز

إني لم أزل أدون حوادثي زمن الاحتلال وكان - كما قلت سابقا - رؤساء الإدارة في الحكومة في ألبستهم الجندية في سراي حاكم القدس العسكري . كان أحد الرؤساء في الإدارة - آنذاك - الماجور هدوك جونز المسؤول عن إيجارات منازل وأملاك الأهالي لعائلات ومكاتب رؤساء الدوائر ، لتكون هذه الإيجارة بواسطة الحكومة ، ثم عن استيراد وتوزيع المحروقات لرؤساء الدوائر وغير ذلك من المسؤوليات ، وكان رئيس كتبة الماجور هدوك جونز صديقنا وزميلنا تادرس قسطندي الدعدوش القصير القامة ، طبق عليه من قال " لا تقرب من كان قريبا من الأرض . . " . وقد صادف نقلي من قلم الترجمة إلى قلم الماجور هدوك جونز ، وأذكر أن في تلك الفترة عين سامي هداوي في هذا القلم ، وكان لما يزل في بنطلونه القصير ومن وظيفته ال
( Messenger )
( مراسل ) عند المستر هندرسون مدير الصحة آنذاك ، لا بل كما كانوا يلقبونه بال
( Batman )
. وكان سامي لم يستطع بعد الكتابة بالحبر ، وهكذا قضينا وقتا جميلا ، وكنت دائما أداعب الصديق تادرس دعدوش حتى أني لقبته " بالماجور " ، وأصبح هذا الاسم معروفا لدى جميع موظفي الانتداب . لما ذا أعطيته هذا اللقب ، لأنه كان كثيرا من الأوقات يقلد رئيسنا الماجور هدوك جونز في تصرفاته والعياذ باللّه ، فمثلا عندما كان يدخل على الماجور وبين يديه طائفة من الدوسيات للتوقيع ، وبالطبع تكون الإجراءات المتخذة ضمن الدوسية من الوجهة الروتينية منظمة من قبل الدعدوش ، فبعد ما يحصل على توقيع الماجور ويخرج من غرفته فهناك الفشر ، ويتمثل على وجه الدعدوش الكبرياء والعظمة وكأنه أصبح شكسبير في اللغة الإنكليزية بقوله " واصف ولك ولا غلطة . . تفرج . . شوف " يا اللّه إلى ما هنا لك من حب الظهور . أما أنا فكنت أبحلق نظري في قصره ثم أجول بنظري بسامي هداوي ومن يكون آنذاك من الزملاء الموظفين الذين يعرفون الجوهرية ، ثم أنزل به ما هب ودب من الكلمات الموزونة من الوزن الثقيل ، وهات يا ضحك ، فسقيا لتلك الأيام . أما الدعدوش لا بل الماجور دعدوش فقد استفاد ماديا بصورة فظيعة من وظيفته هذه بمعية الماجور هدوك جونز ، واكتسب مني اللقب الشريف ، فعملته من نفر إلى مأجور دعدوش بين عشية وضحاها ، وأصبح - والحمد للّه - الآن ملاكا يشار إليه بالبنان ، وكانت ولا شك وظيفته بمعية الماجور جونز أساسا متينا لهذه الأملاك ، وإن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 315 | واصف جوهرية