تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
ويشرب الأركيلة أول نفس وثاني وثالث يمد يده على شداده العجمي فيعطيني مبلغ خمس جنيهات مصرية قائلا " خديا واصف أفندي . . . هذا لك مصروف . . . ثم يدفع لي مبلغا آخر بموجب وصل موقع بإمضاء أسلمه لدائرة البلدية " . وبقينا والعم أبو درويش الذي كان يتحف الحضور بحديثه العذب والفكه مدة ما تقرب من الشهرين والنصف . . . فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها . . . وكنت أصطحب العم أبو درويش معي في بعض السهرات ، وخصوصا في قوميانية المونتفيوري ، « 1 » وكانت تضم نخبة من أولاد القدس أمثال يوسف ودرويش وحسن وفهمي ورشيد الدقاق وكامل عويضة ومحي الدين زمرد وغيرهم .

العم أبو درويش المعروف بالمخلوطة والمرحوم أبو شاكر آغا

كان العم أبو درويش الملقب بالمخلوطة من أشهر [ خبراء الخيل في القدس ومن معارف ] المرحوم أبو شاكر . وعلى ذكر أبو شاكر كان اسمه يعقوب أبو شاكر ، وعرف بملك العربات بالقدس ، فهو كان يملك عربات وخيل مدينة القدس ، ويؤجرها إلى السياح الذين كانوا يزورون الشرق بواسطة شركات السفر أمثال كوك الإنكليزي ، وكلارك الأميركاني ، وفلويت الألماني . وبمساعي أبو شاكر دخل غليوم إمبراطور ألمانيا القدس ، وكان يتجول في البلاد هو وحاشيته في عربات أبو شاكر ، وبعد رحلة الإمبراطور حاز أبو شاكر على لقب آغا . كان العم أبو شاكر من أغنياء القدس ومن أشهر ملاكي العقارات غير المنقولة ، وخصوصا في حي مأمن اللّه ، وكان سببا في غناء عائلة المرحوم عارف عويضة في هذه المحلة . ولكن إسراف العم أبو شاكر العجيب على اللهو والشرب والنساء أودى به إلى المهالك ، فأصبح في كبره فقيرا محتاجا تعطف عليه أعيان المدينة ، وإني أذكر بكل أسف أن هذا الشخص اضطر أن يقف بوظيفة الملاحظة على زبالين المدينة زمن المغفور له حسين أفندي الحسيني عندما كان رئيسا لبلدية القدس ، وقد طبق على أبي شاكر المثل العامي المعروف " من فرط أصبح ظرط . . . " . وإن أهل مدينة القدس تعرف إسطبل وأراضي أبو شاكر ليومنا هذا ، وإني أكتب هذه الحادثة ليتعلم القارئ حالة أبو شاكر التي أدت به إلى الحضيض وهي طبعا من جملة الحوادث المؤسفة : كان العم أبو شاكر متكئا على السجاد العجمي والفراش الفاخر بقاعة خاصة من إحدى زوايا الإسطبل العظيم المعروف بين الحسان . . . على مائدة الخمر في رابعة النهار . . . وكأنه الخليفة هارون الرشيد ، وإذ دخل عليه أحد العربجية من جهة المحببين إليه ، وقال يا سيدي أبو شاكر " دخل القدس رأسين خيل من أجود الخيول ! ! فهل ترغب بشرائهم ؟ . . فأجاب أبو شاكر وهو على جانب عظيم من الحظ " . . ولك يا ابن . . . وريني إياهم . " خرج العربجي ورفقاؤه وجاؤوا برأسي خيل من خيل العم أبو شاكر المربوطين داخل إسطبل أبو شاكر ومروا بهم مرور الكرام . نظرة واحدة من أبو شاكر آغا . . . وقال أشتريهم ودفع ثمنهم في الحال أربعين ليرة عثماني ذهب ! ! وهكذا رجعت الخيل نفسها وربطت من حيث أتت .
هامش
( 1 ) المونتفيوري : حي يهودي حديث أنشأه مونتفيوري العام 1860 خارج أسوار المدينة مقابل باب الخليل . يعرف أيضا باسم يمين موشيه .