تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣

جزء فوضى من حياتي

بعد وفاة المغفور له حسين أفندي بصفته الوالد الثاني ، لم يعد لي أحد يرشدني في هذه الحياة ، ونظرا لميلي الفطري للموسيقى التي احتازت أكبر قسم من حياتي ، وبعدما أنهيت واجبي في خربة دير عمر ، كما وعدت حرم حسين أفندي السيدة أم سليم ، أصبحت متشردا في هذه الحياة بصورة أعتبرها بكل تأكيد فوضى ، فكنت أقضي معظم أوقاتي إن كان ليلا أو نهارا وأنا في حالة غيبوبة من الحظ المتواصل ، فمن سهرة للصباح ، ثم نوم في النهار ، وبعده سهرة متصلة بشطحة في إحدى القرى من قضاء القدس ، ولم أكترث بأي أحد ولا مسؤولية ما ، ولا أذهب لبيت والدتي إلا لتغيير هدومي ليس إلا . فأنام في بيت الأصدقاء والخلان ، وهكذا إلى أن تعب جسمي وأنهكه السهر والسكر ، فتارة أكون في سهرة في محلة باب حطه ، وعند الصباح أكون في شطحة ضمت أرقى العائلات وأعيان القدس ، ثم جلسة خاصة في بيت من زوايا القدس مع من يدعوهم القبضايات أو الزعران ، ولم أذهب حتى إلى مقهى الجوهرية إلا قليلا ، فهذا الدور لن أنساه أبدا ما دمت حيا ، وكنت أصرف ما يلزمني من لباس فقط من راتبي المخصص لي من دائرة الريجي بواسطة راغب بك النشاشيبي .

مفوض عن دائرة البلدية بوظيفة مفتش باج

فقدني سيدي موسى كاظم باشا الحسيني وهو رئيس لبلدية القدس ، وبعث إلي بالمرحوم عارف النمري أحد شاويشية البلدية يطلبني . امتثلت لأمره ، فواجهته في دائرة البلدية الواقعة مقام باب الخليل ، فعاتبني على غيابي هذا وعدم الاتصال به منذ وفاة المغفور له حسين أفندي ، وسألني عن أحوالي والعائلة ، وخصوصا الوالدة ، فأجبت ما كنا عليه من حال وأحوال . ثم عينني بوظيفة مفتش باج بمبلغ وقدره أربعة وعشرون جنيها مصريا لمدة مؤقتة لحين يصدر القرار بتضمين هذه الوظيفة كما كانت العادة آنذاك . قبلت يديه وشكرته واستلمت الوظيفة بواسطة المرحوم عبد القادر أفندي العفيفي الذي عرفني بها وسلمني دفتر وصولات وهي : مراقبة الحيوانات التي تباع من شخص إلى آخر بالقدس ، وخصوصا في صباح أيام الجمعة من كل أسبوع في سوق الجمعة المعروف ، والواقع بجانب بركة السلطان بالقدس ، وقد أوصى بي المرحوم مصطفى الكرد المعروف بأبي درويش الخبير في هذا الفن الرفيع . قال لي العم أبو درويش " أنت لا يهمك ولا تعمل شي ! ! بس أقعد على القهوة واشرب الأركيلة وأنا أقوم بكل ما يلزم وأسلمك الفلوس بموجب الوصولات يوميا " . . . اتفقنا وقمنا في هذه الوظيفة التي كانت عبارة عن مقعد في مقهى المعارف مع الأصدقاء نشرب الأركيلة لغاية العاشرة أو الحادية عشرة صباحا ، فعندما يحضر العم أبو درويش ويتربع على كرسيه