تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وعندما كانت جيوش الأتراك على وشك تركها القدس ، وكانت ضاربة خيامها حول المدينة ، وعلى الأخص مقابل جامع الشيخ جراح ، وقد صادف أن فهيم عثرت رجله في أسلاك التلفون الممدودة في تلك المنطقة ما بين خيام ضابط الجيش ، فما كان منه إذ قطع سلك التلفون هذا العائد لمخابرات الجيش الحربية ، وخصوصا في تلك الفترة الخطيرة ، ولف ما أمكن لفه على يده وأخذه كي تستعمله شقيقته حبلا للغسيل ، وكان يسكن وأخته العزباء في تلك المحلة . وقد شاء القدر ، فعرف الجيش فمسكه الجند وكبلوه بالحديد وأخذوه من خيمة ضابط إلى خيمة أخرى بعد تعطل الهاتف بين الجيش ، وكان كلما دخل فيهم على خيمة ما ، ومعه الحرس الذين كانوا تبلغون رئيس الخيمة بالحادث ، فيقولون له بالتركية : " بو تلفون كستي " ، أي هذا هو الذي قطع سلك التلفون ، وعندها تقوم قيامة ذلك الضابط من شدة غيظه ، ويقول " تلفون كستي " وينزل بفهيم ضربا أليما وهكذا إلى أن دار فهيم على جميع الخيام ، وكان ضباطها يؤاجرون فيه ، فهذا يضربه بجزمته ، والآخر يصفعه على وجهه ، إلى أن أخذوه وسجنوه وكان مغشيا عليه . وكانت هذه الحادثة التمثيلية الأولية لصديقنا أبي نعمان في كل سهرة يكون فيها فيبدأ أبو نعمان ويقص الحادث ، وعندما يصل إلى جمعة من الضباط الأتراك يضرب هو بنفسه على رقبته بكفه بكل قوة ، ويتألم جدا ليس لشيء سوى كي يضحك الحضور رحمه اللّه . وإني أذكر أن أبا نعمان عندما كنا في شطحة في قرية قالونية كانت تضم فروسو زهران ، وإبراهيم العملي ، ومصطفى الجبشة ، ومصطفى السرية الموقت ، وعبد القادر العلمي ، حكم علينا فأكلنا زهر المنثور « 1 » على وجه صينية مقلوبة ، فأكلنا وكلنا على جانب عظيم من الحظ ، وكانت أكلة شهية ابتكار أبي نعمان ، فسقيا لتلك الأيام . وقد شطحت وسهرت في قرية قالونية وقضينا أوقاتا جميلة لما لعائلة نسيبة الكريمة من أملاك هناك ، فكان المرحوم حافظ نسيبة ثم فؤاد ابن محي الدين نسيبة المعروف بأبي أحمد ، وكذلك المرحوم أديب نسيبة شقيق فهيم المذكور ، وقضينا فصل صيف سنة 1912 مع المرحوم والدي في دار ملك المرحوم رباح أفندي الحسيني المشرفة على عين ماء قالونية العليا بجوار دار المرحوم سعيد أفندي الحسيني ، ولنا في هذه القرية الجميلة ، وخصوصا بستان الرمان الواقع على عين الماء السفلى ، والتابع للمقهى الذي تملكه عائلة نقولا اليوناني ، ولم يكن فهيم نسيبة ينقطع عنا ، ويطربنا من أحاديثه المضحكة .

عزفي آلة الكمان

بعد تركي دائرة العدلية قمت بواجب ملاحظة أشغال « 2 » تركة المغفور له حسين أفندي في دير عمرو مع طاهر أفندي الخالدي خير قيام ، وقضيت فصل صيف سنة 1918 هناك ، والجدير بالذكر أنني اغتنمت فرصة هذه الغربة ، فأخذت آلة كمان معي وتدربت على العزف عليها وحدي ، وذلك لما كنت أحفظه في دماغي من أغان ودواليب وبشارف وقطع موسيقية على العود ، وعلى الأخص التواشيح الأندلسية ، فقد طبقت كل ما أعرفه على الكمان ، وأصبحت قادرا على العزف بصورة منتظمة ، وهكذا رجعت القدس فأعزف الكمان كثيرا في السهرات والاحتفالات ، زيادة على عزفي العود والرباب والطنبورة .
هامش
( 1 ) القرنبيط . ( 2 ) ملاحظة أشغال : الإشراف على أملاك الحسيني ومحاصيل القرية الزراعية .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 302 | واصف جوهرية