تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وهكذا كنت عند أول الشهر أذهب فقط لدائرة الريجي وأقبض راتبي ليس إلا ، وبقيت على هذا الحال مدة تسعة شهور إلى أن تعينت في دائرة حاكم القدس العسكري . وهذه لمحة من أعمال راغب بك النشاشيبي النادرة ومثلها كثير رحمه اللّه .

ليالي مشكينوت الست

ذكرت صديقي ومعلمي العزف على العود المدعو حمادة العفيفي ، ذكرته في كثير من فصول هذا الكتاب زمن الحكم العثماني ، فكان أول من علمني العزف على العود زمن المرحوم والدي . ومنها يتضح للقارئ أنني كنت منذ حداثتي لا أنقطع عن مجالس الأنس وليالي الصفا التي كانت تجمعني مع العم أبو فؤاد ، ومنه اقتبست كثيرا من فن الموسيقى الرفيع ، وكان رحمه اللّه ، وخصوصا عندما أصبحت في سن الشباب يأنس من وجودي ، فيأخذني وإياه ويعرفني بأعز أصدقائه المحببين إليه ، وكنت أقضي ليالي معه في بيت عائلة الكروز الواقع في شارع سانت جوليان ، ومن بين هذه الليالي أذكر للقارئ الحادثة الطريفة الآتية : جاءني العم أبو فؤاد وقال لي ذات يوم حضر عودك يا واصف لنقضي سهرة طويلة ، وربما طول الليل في كومبانية مشكينوت في بيت صاحبتنا رينا ، وكنت أعرفها جيدا . قلت لبيك يا أبو فؤاد ، فذهبت . وأذكر أنه كان مساء السبت ، فأخذت عودي وودعت المرحومة الوالدة التي أعطتني قميص النوم وغيره من ثياب النوم على أمل أن نقضي يومين في خربة دير عمرو . قبلت يديها وذهبت ومعي مصطفى علي النشاشيبي حاملا العود إلى أن وصلنا دار المحروسة رينا ، فوجدناه غاصا بالضيوف وأكثرهم من الآنسات والسيدات اليهوديات اللواتي من مجتمع ذلك الحي ، وكان الجميع ينتظرون حضورنا بفارغ الصبر . بدأنا في دوزان العود فعزفنا ما طاب لنا وشربنا نخب السيدة رينا ، وخصوصا السيدة سلطانة وكانت آنسة مغربية يهودية تحسن الغناء البسيط الشعبي وترقص أحيانا . وقد طابت ليلتنا والكل أصبح يهتز طربا إلى مطلع الفجر ، فذهب الغرباء وبقينا نحن في ذلك البيت - بيت الأمة - على الرحب والسعة ، ومصطفى النشاشيبي يقوم بمساعدة رينا مساعدة عائلية ، يشتري الغداء والمشروب ويحضره إلى البيت ، ثم يساعدها في الطهي وتنظيم آلات المازة والكؤوس ، وبقينا على هذا الحال ننام إما ليلا أو نهارا ، أي عندما تسمح لنا الظروف في الراحة ، ونعود إلى العزف والغناء والشرب وهكذا . والجيران الكثيرون من تلك المحلة يحضرون ويشاركوننا في الغناء والرقص إلى أن قضينا أسبوعا كاملا ، واللّه يشهد في تلك الدار . بدأنا مساء السبت وودعنا رينا وسلطانه في صبيحة نهار الجمعة ، وذهبت والعم أبا فؤاد لسيدتنا الوالدة أم ميشيل كاروز ، فقضينا نهار الجمعة بكامله هناك ، فرجعت البيت في مساء الجمعة ربما الساعة الحادية عشرة . استقبلتني الوالدة فقالت - رحمها اللّه - " شو هالغيبة يا واصف ؟ يقطع دير عمرو واللي فيها . قطيعة كنت قلت لي يومين بشوف صاروا جمعة " ،