تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
كان راغب بك يرتاح لسماع العزف على العود ويعجب كل الإعجاب من طريق أدائي الغناء العربي ، خصوصا التواشيح الأندلسية ، وكان في كثير من الأحيان في اجتماعاتنا يغني بصوته الجمهور بعض القصائد القديمة ، وأخصها فتكات لحظك أم سيعرف أبيك مسجلة على أسطوانة من المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي ، وإني أذكر أن راغب بك كان يزيد على ما كان مسجلا من هذه القصيدة بيتين أخذتهما منه وصرت أغنيها كما يشاء هو وهما :
تاللّه ما بأكفهم كحلوك * جعلوا التكحل في عيونك كحلة فلو عثروا بطيف طارق ظنوك * منعوك من سنة الكرى وسروا
وهكذا طلب راغب بك مني أن أعلمه على عزف العود فلبيت طلبه ، وكنا نجتمع معه في بيت أم منصور الذي لم أكن مبالغا إذا قلت إنه لم يكن يدخل إلى بيتها أحد ، فكنا نقضي الساعات الطوال نشرب العرق ونتناول الغداء ونقضي القيلولة ثم نعود ونعلم العزف ونتعلم الغناء ، فأنا أغني له ما طلب ، وهو في دوره يغني وبعدها نركب في العربة ، ومرارا نذهب فيها إلى قالونية ، وعين كارم ، وهكذا . والويل ثم الويل إذا تأخرت عنه يوما واحدا فيجيء فجأة في عربته الخاصة إلى مقهى الجوهرية يسأل عني أين واصف ؟ وين راح هالملعون ؟ ويقف وإلى أن يجدوني في محل ما فيصحبني إلى دار سروره ، وبقينا على هذا الحال إلى أن عين رئيسا لبلدية القدس بعد استقالة موسى كاظم باشا الحسيني ، كما سيجيء البحث عنه في هذا الكتاب .

وظيفتي في دائرة الريجي

كان راغب بك اجتماعيا من الطراز الأول ، يصنع لنفسه مقاما عاليا بين جميع الأوساط من البشر ، فقد أخذ حب وتقدير الموظفين وأفراد الشعب في الحكم العثماني ، وأصبح نفوذه لا معا في جميع الجهات ، خصوصا بعد ما كان مبعوثا في الآستانة عن قضاء القدس . فعندما كنت أعلمه على العزف على العود - كما ذكرت أعلاه - أخذني ذات يوم إلى دائرة الريجي ، وكانت بجوار أملاك حسن بك الترجمان على الطريق المؤدية إلى محلة الشيخ جراح وطريق محلة مياشعاريم بالقدس مقابل المستشفى الإيطالي . دخلنا دائرة الريجي فاستقبلنا رئيسها المدعو فريد بك صوايا من أهالي لبنان على ما أذكر ، ومن أصدقاء راغب بك . وبعدما شربنا القهوة وتبادلا الأحاديث والذكريات ، قال راغب بك إلى الرئيس " هل تعرف من هو هذا الشاب ؟ " مشيرا له بيده إليّ ، قال الرئيس : لا من هو ، أجاب راغب بك ابن المرحوم صديقنا الجوهرية . تبسم الرئيس وفهمت من ملامح وجهه أنه كان يعرف المرحوم والدي . ثم تكلم راغب بك عني وعن أخلاقي وميولي لفن الموسيقى ، وأخيرا قال أريد يا نجيب « 1 » منك أن تعينه موظفا في إدارتك . أجاب الرئيس طبعا أمرك يا بيك ، وسجل اسمي في الحال براتب قدره عشرون جنيها مصريا ، ثم قال راغب بك ولكن اعلم أن واصف يكون موظفا عندك ويعمل عندي . فتبسم نجيب بك وضحك وقال كمان أمرك . راغب النشاشيبي . المصور غير معروف ، من مجموعة مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت .
هامش
( 1 ) من غير الواضح إذا ما كان اسم رئيس دائرة الريجي هو فريد أم نجيب . حيث يذكره واصف قبل بضعة أسطر باسم فريد .