ثمة ليال وأوقات جميلة ونادرة ضمت المرحوم المطرب الشهير الشيخ أحمد الطريفي ، وكذلك محمد العاشق المطرب المعروف ، وأبو حسين السوسي عازف القانون الممتاز ، والمطرب الذائع الصيت زكي أفندي مراد وغيرهم . كانت أياما وليالي يعجز المرء عن ذكرها ، لأن الجميع أصبح بعدما تخلص نهائيا من كابوس الأتراك حرا وكأنه مولود جديد يأكل ويشرب ويصرف ويبذر أمواله بدون حساب ، وقد تحسنت حالة البلاد اقتصاديا بعد الاحتلال البريطاني مباشرة .
كانت وظيفتي من بعد ظهر كل يوم مراقبة حساب البلياردو ، فكان في هذا المقهى ثلاث بلياردات في إحدى غرفه الداخلية ، وكان الماهرون في هذه اللعبة الملوكية ؛ أمثال المرحوم نصري عروم ، وعيسى مرقص ، ومريوسي بيكاري ، وفرنسيس الآوي ، وغيرهم ، لا يفارقون المقهى . وقد ربح الأخ خليل وشركاؤه الأموال الطائلة ، ولكن لم يدخروا من هذه الأرباح شيئا ، لما كانوا عليه من صرف وإسراف .
الحلبي وقميع
بمناسبة مقهى الجوهرية وجورج ميخائيل الحلبي أحد الشركاء أذكر الحادث الطريف الآتي :
كان العم أبو ميخائيل عصبي المزاج ويعتبر من قبضايات ذلك العصر ، وكان مشهورا بحسن هندامه ولباسه العربي الممتاز .
وكان محي الدين قميع مباشرا في المحكمة ومعروفا بالسخرية والفكاهة ، وله جملة فصول في هذا الباب ، وهو من تلاميذ الأستاذ الأكبر الزردق .
وقد صادف أن العم أبو ميخائيل قلقت أفكاره بدعوى مقامة ضده وشركاه من قبل المفوض الروسي بصفته المالك لعمارة المقهى المذكور ، فقد مضت أيام لم ينقطع العم أبو ميخائيل فيها عن مراجعة المحاكم في دائرة العدلية ، وكان بالطبع يجتمع مع أخينا محي الدين قميع بصفة مباشرة ، ويأخذ منه بعض الأخبار بخصوص القضية المذكورة ، ومقابل ذلك يعطف العم أبو ميخائيل فيقدم له المشروب في المقهى بدون ثمن . وقد حدث أن مر محي الدين قميع عن المقهى ذات صباح يوم باكر ، فوجد الفلاحة التي كانت تقوم بغسل بلاط المقهى فسألها عن العم أبو ميخائيل فأجابته بأنه لم يزل نائما . وهكذا اغتنم قميع فرصة نيامه فبلغ الفلاحة بأن تخبر العم أبو ميخائيل بأن حاكم المركزية يرغب في مواجهة من كلّ وبد وعلى وجه السرعة ، وإلا سيخسر القضية ، فذهبت بعدما ذهب قميع توا إلى غرفة أبو ميخائيل وبلغته الكيفية تماما .
سألها العم أبو ميخائيل من كان هذا الموظف ، أجابت لا أعرفه . زأر وغضب وعربد العم أبو ميخائيل ولبس ثيابه وذهب إلى العدلية مستفسرا من جميع الموظفين والمباشرين فلم يجد شيئا بحقه البتة ، وقد أكدوا له أنه لم يوجد أي من الحكام في القيود يطلبون العم أبو ميخائيل . رجع العم أبو ميخائيل ، ولكن بالنسبة لجهله وكان أميا لم يهدئ روعه ، وبقي مكبوتا لمدة أربعة أيام ليس له موضوع سوى هذا الموضوع يتساءل بنفسه " يا ترى مين الذي حضر إلى المقهى ؟ " وهل يجوز أن يكون كذبا ؟ لا ، لا يمكن ، لا بد أنه يوجد شيء ضدنا والخوف كل الخوف من طردنا من هذا المحل إلى ما هنا لك من أفكار سخيفة .