وكما قال المثل حبل الكذب قصير ، فقد جاء الشيخ نزار أبو السعود وطمأن أفكار العم أبو ميخائيل بأنه لا خوف البتة فالحادث كان مقلبا . من المضحك أن محي الدين قميع يريد به المزاح مع العم أبو ميخائيل ليس إلا . وزاد العم أبو ميخائيل غيظا وعزم على الانتقام من قميع ، يحلف ويقسم بأغلظ الإيمان لكل من الزبائن أنه سيعمل وسيعمل في ابن الكلب قميع كذا وكذا ، ولم يعد قميع يعرج على المقهى لشدة خوفه من أبي ميخائيل .
ففي ذات بعد ظهر يوم من أيام الأحد عندما كان المقهى يؤم بالزبائن الذين وصلت مقاعدهم من أول المقهى من الخارج وعلى الشارع إلى المنعطف المؤدي إلى طريق دائرة السفر والمهاجرة ، وقد قام العم أبو ميخائيل من القيلولة ووجهه يتدفق دما من سكرة الظهيرة . قام في سرواله الأبيض الذي كان يلبسه عادة من تحت القنباز الغباني يمشي مختالا داخل المقهى وكأنه أشبه بالطاووس ، وكان لم يزل حافيا وحاسر الرأس إلى أن وصل بابا من أبواب المقهى المشرف على شارع يافا ، إذ رأى قميع راكبا الحمار الأبيض وكان يخص الحاكم [ . . . ] « 1 » اليهودي . فعندما رآه جن جنونه ، ولأجل الأخذ بالثأر خطف عصا ( الباكور المحلب ) من أحد الزبائن ، وكان المرحوم صليبا الأجرب ، وخرج على هذه الصورة يلحق بالحمار يشتم الشتائم الغليظة لقميع . ولكن أين له أن يلحق بالحمار الذي كان يركبه قميع .
والجدير بالذكر أن قميع كان يلتفت إليه ويقول " أيوه هيك سوق يلعن أبو اللي يشغلك عنده مكاري " بأعلى صوته ، فيشتد العم أبو ميخائيل غيظا ويزيد احمرار وجهه ويركض وهو حاف وحاسر الرأس وفي السروال المختص للبيت فقط ، يركض في شارع يافا إلى أن وصل قريبا من منتزه البلدية ، فلم يفلح ورجع مكسوفا على مشهد من الزبائن والمارين في ذلك اليوم والجميع يضحك بأعلى صوته على قيافة العم أبو ميخائيل المشحنة ، ذلك الرجل المشهور بحسن هندامه ووقاره . رجع العم أبو ميخائيل ودخل المقهى وطرح بنفسه على سريره مريضا لمدة ثلاثة أيام . إلى أن تدخلت شخصيات لها وزنها وقيمتها بالأمر ، فجاؤوا بقميع وقبل أيادي العم أبو ميخائيل معتذرا ، فسامحه وأصبح هذا الحادث ذكرى بين أبناء القدس نذكره بكل سرور ليومنا هذا .
راغب بك والعود
كانت معرفتي براغب بك النشاشيي « 2 » منذ حداثتي ، فقد اجتمعت به مرارا زمن الحكم العثماني في كثير من المناسبات عندما كان مبعوثا عن القدس . « 3 » وزادت هذه المعرفة بعد الاحتلال البريطاني ، فكان راغب بك لما عرف منه من كرم وبذخ وميل للطرب والمسرات كان يقضي أيامه في بيت خليلته ، التي أصبحت زوجته فيما بعد اليهودية أم منصور وإخوانه .
كانت يهودية فرنسية أعد لها راغب بك منزلا في الدار الثانية عند دخولك الزقاق الواقع على جهة يدك اليسرى من شارع الكانتورا ، أو شارع دائرة المهاجرة والسفر ، الذي أصبح بعد الاحتلال ملك التنكجي اليوناني . فكان راغب بك بدون عمل ما ، وله حنطور عربة صغيرة تعرف ( بالتك ) يجرها حصان إنكليزي واحد فقط ويسوقها راغب بك بنفسه بأبهة وكبرياء .
هامش
( 1 ) [ ] : ناقص في الأصل .
( 2 ) راغب بك النشاشيبي : لاحقا رئيس بلدية القدس ومن قادة حزب الدفاع .
( 3 ) في مجلس النواب العثماني .