تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
وإني أذكر مرة صادفت المغني صابر الصفح فسلمت عليه في شارع مأمن اللّه ، وتحدثنا برهة عن الفن ، وإذ الزردق يشير بيده إلي مهددا من بعيد ! فلما ذهب صابر الصفح جئت الزردق متسائلا عن هذه التهديدات ، فقال وعيناه تبحلقان بي كالجمر ووجهه زاد احمرارا ( ولك بتحكي مع هالبارد وهو قتلني بأغنيته مساء الأمس التي مطلعها " راح أسافر . . . الخ . وهي أغنية شعبية لصابر " إنما لا تروق لأذن الزردق ويكره الاستماع إليها ، وهكذا قال لي الزردق راح أسافر راح أسافر راح أسافر مقلدا صابر ثم شتمني وقال " يسافر هالخرا . . وأنا بدفع أجرة السفر . . " فضحكت وتركته .

مسلمان والحمد للّه

كنا نحن معشر أبناء القدس على اختلاف مذاهبنا نعيش عيشة عائلية لا فرق بين مسلم ومسيحي زمن الحكم العثماني ، ولكن عندما صار احتلال بريطانيا للقدس ، وكما هي عادة المستعمر ، جربت بريطانيا تعكير الجو الصافي ، وخصوصا بين المسلمين والمسيحيين ، ولم تكتف هذه الشمطاء بإعطاء وعد بلفور المشؤوم الذي كان سببا بضياع الوطن ، بل بعد الاحتلال البريطاني مباشرة منعت دخول المسلمين كنيسة القيامة ، وكذلك المسيحيين من دخول الحرم . وإني أحتفظ ببعض الصور ال "
Out of Bonds
" على مدخل كنيسة القيامة ، وذلك ضمن المجموعة الجوهرية . وبهذه المناسبة جرت هذه الحادثة الطريفة معي وصديقي الزردق أزفها إلى القارئ : في صباح يوم أحد من شهر نيسان على ما أذكر كنت وبعض الأصدقاء من أهالي القدس المسلمين وهم : داود الفتياني ، وتحسين الخالدي ، ومحمود عزيز الخالدي ، وصالح الدنف الأنصاري ، وفخري النشاشيبي ، وأمين طهبوب ، ومنير درويش ، ونعمان عقل وأخيرا محمد الزردق وغيرهم . تناول كل منا كأسا من مشروب معروف ب " فيرنيت بلانكا " « 1 » صنع إيطاليا ، ثم كررنا تناول الكأس الثاني في بار ارشيدي اليوناني ، ولما كان الطقس مشمسا ودافئا اشترينا لوزا أخضر ، وأخذ كل منا نصيبه في جيبه ، وعزمنا على النزهة في حظيرة الصخرة الخارجية . وقفنا على أحد أبواب الحرم الشريف ، إذ شاهدنا قوة [ شرطة ] واقفة على كل باب من أبواب الحرم الرئيسية . هذه القوة مؤلفة من الجيش الهندي المسلم والمتعصب في دينه ، فكان يسأل كل من يريد الدخول من هذا الباب بكلمة " مسلمان ؟ " . . فإذا كان مسلما يسمح له بالدخول ، وإلا يرفض دخوله . بدأ كل منا بعد السؤال يقول مسلما ويدخل ، والجدير بالذكر في هذا الصدد مجيء دوري ، فسألني هذا الضابط الهندي " مسلمان " أجبت الحمد للّه مسلمان . . وقد صادفت خلفي العم أبو عيد الدلال وكان معمعما وبصفته صديقا وفيا للمرحوم والدي فقال بأعلى صوته أشهد باللّه مسلمان . . تصور أيها القارئ أن واصف ابن جرجس جوهرية مسلم . وهكذا لحسن حظي بعدما أشار إلي الهندي بيده وتمتم ببعض الكلمات الهندية دخلت باب الحرم وأصبحت داخلا . ولما جاء دور صديقنا خفيف الدم والظل الزردق في الدخول ، وقبل ما يدور البحث معه ومع الضابط الهندي ومنعه من الدخول مهددا الزردق بالبارودة التي في رأسها السنجة . فجن جنون الزردق واحمر غضبا وكل من الحضور يضحك ، وبدأ
هامش
( 1 ) فيرنيت بلانكا : يبدو أن المقصود فيرموت بلانكا .