المتهم أنا من الفحيص يا سيدي
علي بك اللّه يردكم على بلادكم سالمين أبوي ! اللّه يردكم سالمين لتتخلصوا أو نتخلص نحن أيضا منكم أبوي ! وهو يبتسم تصنعا مشيرا إلينا في لحظاته .
الذكريات في العدلية
دونت للقارئ الكريم بعض الحوادث الطريفة التي حدثت عندما كنت موظفا بمعية المرحوم علي بك جار اللّه ، وفي الحقيقة أننا قضينا وقتا لذيذا ، فكنا وزملاءنا وكأننا أسرة عائلية ، فكنت أرافق المرحوم علي بك جار اللّه في سهراته وحفلاته الخاصة ، وكم من المرات أضطر على قضاء الليالي فأنام في بيته بعدما ننتهي من سهرة ما ، وإني أذكر عندما نمر من الطريق الواقعة بين عمارة المطران الإنكليزية وبيت شاكر أفندي الشاكر الحسيني ، ولعدم وجود الإسفلت - آنذاك - في الشوارع ، فكان اللاص والأوحال شبيهة بالطحينة ، كان رحمه اللّه ينزعج تماما عندما تغوص رجلاه في هذه الأوحال ، لأنه كان عيوقا في هندامه ، وكنت مرارا ، ونحن على جانب عظيم من الحظ ، ألقنه بعض النصائح فأقول له " إدعس في المحل الذي يلمع " وعندما يلبي طلبي يجد أن ذلك أدهى وألعن ، فتكون الأوحال لزجة ومتكاثفة فيضحك ويقول لي " أبوي غشيتني أبوي ولو " .
أما الزميل الفريد الزردق فكنا نتهرب أثناء الشغل في المحكمة ، ولشدة البرد نتفق ونطلب من صهرنا المرحوم قسطندي عبد النور ، بجوار بنك باركلس في يومنا هذا ، نطلب منه كأسين من العرق بصفته كان محله حانة مع دكان سمانة . ولكن أين منا أن يتناول هذا الكأس بالسرعة ، لأن العم أبو فائز آية في العدل والإنصاف ، فيبدأ متسائلا :
بالدستور ترغبون كأس مفرد أو مزدوج ؟
فيجيب الزردق بسرعة لا مزدوج من فضلك . فعندها يباشر العم أبو فايز فيصب الكأس المفرد أولا ويديره في الكأس الكبير ثم يدير الكرة في الكأس المفرد ويعيد صبه في الكأس الكبير .
هذا العمل يكون أمامه داخل المحل ونحن والزردق واقفين نبحلق بعيون بعضنا البعض ، وهناك تشاهد عصبية الزردق المشهورة ، فكان يفرك يديه ويقرع أسنانه ولونه يغمق إلى الاحمرار ، ثم يحضر العم أبو فائز صحنين صغيرين كل صحن فيه فستقتان . وبعدما ينظم الصحون والكاسات على الصينية يقدم لنا ذلك على ما يسمونها بالدسكة . فنحن نتناول الكاسات ونشرب بدون ماء وبدون مازة على طول ، وندفع الثمن بسرعة فائقة ونخرج من هذه الحانة وكأنها بيت المال في زمن الخليفة عمر بن الخطاب . وهات يا ضحك وتعليقات الزردق إلى أن نرجع إلى المحكمة .