تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وهناك في المحكمة كانت العادة بيني وبين الزردق أن نتفاهم بالشيفرا . والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه قد اتفقنا على تسمية كل منا كما يلي : واصف حمد واصف كوهين الزردق محمد كولد شتين وبقينا أصدقاء ونستعمل هذه الأسماء بيننا في المكاتبة طيلة مدة الانتداب ، وما زلنا ليومنا هذا والصداقة والحمد للّه بيننا على أشدها فسقيا لأيامنا ما كان أطيبها .

وفاة المغفور له حسين أفندي الحسيني

فجعنا ويا للأسف ! بوفاة المغفور له ووالدي الثاني حسين أفندي الحسيني ، وذلك في أوائل العام 1918 على ما أذكر من شهر شباط ، وكانت وفاته إثر نزلة صدرية قوية قضت على روحه الطاهرة ، ولم تقعده أكثر من خمسة أيام من الفراش ، وقد أصابته هذه اللفحة ذات ليلة عندما كان يقوم بمهمته ليلا بين القدس ورام اللّه بموجب خطة مرسومة من قبل جبرائيل حداد باشا الذي كان يستند إليه ويثق به منذ أول يوم من احتلال الجيش البريطاني القدس . وقالت الغلاة حينئذ إن اللّه ضربه لأنه سلم القدس للكفرة ! هذه الشخصية الفذة النادرة في العرب الذي غضب عليه جمال باشا السفاح « 1 » وأقاله من رئاسة بلدية القدس ، وعين بدلا منه أربعة رؤساء لبلدية القدس من الأتراك ، وقد سرق بعضهم أموال صندوق البلدية أثناء الحرب العظمى ، وكان - رحمه اللّه - من أبرز الوطنيين ، وله إلمام واسع في ضروب السياسة ، وكان يتقن اللغات الإنكليزية ، والفرنسية ، والتركية ، والعربية ، وقليلا من الروسية واليونانية ، فكان يحل المشاكل لعظم احتكاكه بالأجانب الذين كانوا يعيشون في مدينة القدس ، ويأتون إليها ، وكانت كل أعماله لصالح الوطن والعروبة والقدس وأهلها ، وإني على يقين بأن حسين أفندي لو تأخر موته لبضعة سنين لكان تغير مجرى السياسة في فلسطين ، تلك السياسة التي رسمتها حكومة الانتداب البريطاني ، فخلقت الأحزاب العديدة ، وأوقعت البغضاء والنفور بين الشعب المسالم ، الأمر الذي أدى بالنهاية لضياع فلسطين .

علاقتي الشخصية بالمغفور له حسين أفندي

إنني ومنذ حداثتي كنت أشعر بعطفه علي ، فكان - رحمه اللّه - عندما يصادفني في الشارع ينادي علي في الحال ، فأقبل يده ويعطيني بشلك ، عبارة عن عشرة متاليك من العملة المتداولة زمن الحكم العثماني ، وكنت أرافقه في رحلاته في أملاكه في فصول الصيف نتنقل من خربة دير عمرو إلى بيت سوسين وغيرها ، وكأني ولد من أولاده ، وإني أعترف بأن دخولي في المدرسة الوطنية الدستورية التي كان يديرها المربي الكبير خليل السكاكيني كان بواسطته ، ولم يدفع والدي الرسوم ، ثم انتقلت إلى مدرسة المطران وكنت أتعلم على الطريقة ذاتها بواسطته إلى أن أغلقت أبوابها في أوائل سنة 1914 بسبب
هامش
( 1 ) جمال باشا الكبير قائد الجيش الرابع في الجبهة المصرية والسورية .