أحمد وهو على هذا الحال إلى أن أسرع علي بك بوقف الدعوى التي كانت بين يديه ، وبدأ في الحال للسماع إلى دعوى أحمد ابن العم أبو عيد وكله إعجاب وتقدير لما أبداه العم أبو أحمد من سخط وعدل وإنصاف على ولده ومهجة كبده . ولم يدر علي بك والحاضرون أن أعمال العم أبو عيد كانت تمثيلية فقد وفاتحة خير بطريقة سياسية ليكسب ويغتنم فيها عطف الرئيس .
وإليك البرهان :
عندما بدأ علي بك بالنظر في الدعوى وأخذ الاسم انتصب العم أبو عيد وهو متكأ على عصاه المشهورة يخبط فيها على الأرض بقوة وكأنه قواس . يقول بصوت خافت إلى الرئيس :
هذا اليوم يومك يا أبو الحسن ، اللّه يمد في عمرك ، هذا ولدك مش ولدي ، واللّه ما احنا لمثل هذه الأشغال ، وسيادتك أعلم وأدرى بأخلاقي وأخلاق أولادي ، ولو ابن بلد اللّه يعلي مراتبك ارحم يا أبا الحسن ترحم . . إلى ما هنا لك من كلمات مؤثرة ، الأمر الذي جعل الرئيس علي بك يحتار في أمره وأمر هذا الرجل الغريب .
الدعوى كانت ضبط غرف وليس غرفة ملآنة من أموال الجيش على أنواعه كافة . . وبالنتيجة عمل علي بك ما استطاع من مساعدة للعم أبو عيد خوفا من لسانه ونفوذه ، وحكم على ابنه أحمد حكما بسيطا أذكر أنه كان دفع غرامة من المال بدون سجن ومصادرة أموال الجيش [ المسروقة ] وردها إلى الجيش .
محمد بن موسى الزردق
إن الزردق وما أدراك ما الزردق ! إنه في الحقيقة رجل ذكي لامع مرح كريم النفس ، قضى زمانه في اللهو والسهر وله حوادث فكاهية نادرة يعجز القلب عن وصفها كتابيا . كان موظفا له قمته في العدلية زمن الحكم العثماني بالقدس ، وقد شاء القدر أن أرفقه بالوظيفة بعد الاحتلال البريطاني مباشرة في محكمة كان يرأسها علي بك جار اللّه . له اطلاع واسع في شؤون المحاكم ، وخصوصا دائرة الإجراء التي كان يرأسها فيما بعد زمن الانتداب البريطاني ، وكان يحسن اللغتين العربية والتركية ، وقد أفلح في اللغة العبرية بعد الاحتلال . ولما كان محمد الزردق قصير القامة أشقر اللون ، بل مائل إلى اللون الأحمر منه ، وعيناه زرقاوان ، كان عندما يتكلم العبرية لا تخاله إلا يهودي من الأشكناز القدماء في القدس . حتى أقول صادف مرة في تل أبيب وطلب لأداء الشهادة في محكمة هناك ، فلما وقف أمام الحاكم اليهودي قدمت له التوراة لوضع يده اليمنى عليها وأداء القسم حسب الأصول ، باعتقاد الحاكم أن الزردق يهوديا . ولكن تعجب الحاكم والحاضرون عندما علموا أن اسمه محمد وطلب القرآن ، وهو يجيد اللغة العبرية وكأنه يهودي صرف . إن محمد الزردق صديق حميم طول زمن الانتداب ، وله حوادث طريفة ، وحاضر النكتة ، ومعروف لدى أبناء القدس على اختلاف طوائفها ، وهو عصبي المزاج يكره السماجة والبرادة ، بل لديه قائمة في جيبه يدون كل من كان سقيلا وثقيلا من أهالي القدس .