الزردق يصيح بأعلى صوته مخاطبا بي " ولك أنا اسمي محمد أمنع من دخول الحرم أما أنت يا واصف فتخرج من الأزهر ومسلم تقي ! ! " ، وما إلى ذلك من كلمات كدنا أن نغمى ضحكا ، ولكن لا سبيل ، وبعدما جرب الزردق الدخول من باب آخر استعمل الضابط الهندي صفارته مشيرا إلى رفقائه بعدم السماح إلى الزردق بالدخول .
وهكذا ألقى كل منا بنفسه على الحشيش الأخضر في ساحة الحرم نأكل اللوز الأخضر والزردق يتهدد ويعربد ويرعد لواصف من الخارج ، وكانت تمثيلية مضحكة للغاية لكل منا ، وأصبحت على أفواه أغلب أهل مدينة القدس إلى يومنا هذا .
لاجئ شرق الأردن إلى القدس
في شتاء سنة 1918 جاء القدس عدد كبير كلاجئين من أهالي شرق الأردن سلطيون وفحيصيون وغيرهم ، وذلك عندما قام الأتراك ( الألمان في الحقيقة ) بهجوم معاكس استردوا فيه السلط والفحيص وغيرها ، وانحدروا إلى أريحا ، فهرب أهلها ليلا قبل وصول الألمان والأتراك ، ودخلت بالفعل القوات الألمانية إلى أريحا ، وهددت بالزحف إلى القدس ، وقد حسب الأهالي ألف حساب من نقمة الأتراك . وإني لم أزل أذكر أهالي أريحا أمثال عائلات القزاز ، ونزال ، وصليبا ، وسعد ، والبيضة وغيرهم والحالة السيئة التي وصلوا فيها القدس ليلا هاربين على أقدامهم بصورة فظيعة لا توصف ، ولكن ما لبثت الإنكليز أن تفوقوا على الألمان والأتراك وواصلوا في الحال زحفهم شرقا . مع العلم أن الأتراك دخلوا أريحا فور سقوط القدس ، لأنه لم يتمكن من الدفاع عنها ، كما أنها - أي أريحا - لا تصلح أبدا قاعدة للدفاع ، وإن كانت تصلح قاعدة لأصدقائنا أمثال أبو القزاز ، وناصر ، والمستكلب ، ونزال ، وكراكوز .
وأن المدفع الضخم الذي كان يستعمل من القوة الألمانية والذي كان مركزه في مرتفعات وادي شعيب ، بقي مدة لا تقل عن الثلاثين سنة كذكرى ، فكان يهدد هذا المدفع بريطانيا ، وكأنه قوة كبيرة ، وكأنه باعتبار جملة مدافع أخذت دورا عظيما من دهاء تكتيك الحرب الألماني المشهور .
أنت أبوي من السلط والفحيص
وعلى ذكر لاجئ ، بعض أهالي شرقي الأردن أذكر في هذا الصدد أن بعض هؤلاء اللاجئين الذين كان مأواهم مدينة القدس ، خصوصا داخل السور ، أصبحوا نكبة فظيعة على القدس وأهلها حتى سئم الأهالي الاختلاط بهم ، فمن هؤلاء اللاجئين كان لا يترك المحكمة إما مدع وإما مدعى عليه ، واستعمك البعض منهم طرق دنيئة ومشينة ، فكنا نشاهد المشكلة تلو الأخرى بصفتنا موظفين في محكمة العدلية ، ونستعيذ باللّه عندما يدخل أحدهم على هذه المحكمة ، فأذكر أن حمارا في يوم واحد بيع ثلاث مرات من بائع إلى شار ، الأمر الذي أزعج البوليس ومن فوقه علي بك جار اللّه .
فكان علي بك عندما يكون في سير قضية ما لهؤلاء العفاريت ومن شدة غيظه وغضبه منهم يبدأ قوله :
أبوي ! ! أنت من أين ؟ من السلط أو من الفحيص ؟