إلي وكل منهم يتساءل في قرارة نفسه عن ما يفكر به واصف من نقد . . وما هي إلا ثوان معدودة إذ خرجت عن صمتي وحبكت النكتة معي . . في ذلك الظرف العصيب المحزن والمؤلم ، وقلت لهذا الخطيب [ بس أرجوك . . مزعت قلبي . . فهذا يكفي . . ] وقد ناولته ما تيسر من نقود . ولكن الخطيب أبى إلا أن يسلمني ورقة الخطاب . . فزادني تنبها للنكتة فرفضته وقلت [ لا . . يا أخي دعها لك فأنت تلزمك أكثر مني وتقرأها لغيري ] . . الأمر الذي اضطر كل من الحضور الضحك والبسمة بدت على وجوههم . . حتى يسرى وليلى وآية . . وبالكاد قدرن على تماسك أعصابهم في تلك البرهة الحرجة . .
فقلت سبحانه وتعالى إنني موعود دائما أبدا بالنكتة والمزاح
مرض المرحومة فيكتوريا
الحقيقة أن موت المرحومة فيكتوريا كان مفاجئة أدهشت كل من عرفها من الأهالي والأصدقاء لما كانت عليه فيكتوريا من قوة جسم ومناعة حتى أن البعض كانوا يلقبونها [ بالقولاغاص ] وهو ضابط معروف بالبنية المتينة زمن الحرب العظمى بالقدس وذلك عندما تمشي . .
قضيت مدة أربعة وثلاثين سنة مع رفيقة العمر فيكتوريا ولم أذكر أنها لازمت يوما فراشها عدا في حالات الولادة . . وكانت بعيدة كل البعد على الدواء لا بل تكره أخذ حبة أسبرو . . والجدير بالذكر في هذا الصدد أنها عندما دب فيها المرض وتبا له من مرض ، عندما كانت تتمرض في مستشفى الجامعة الأميركية وتشكو من معدتها وكلاها ، فكانت تغالط الأطباء وبالصراحة تكذب عليهم فمثلا [ يكلفها الطبيب بتناول شربة الزيت الخروع لتنظيف الأمعاء في الليل لأجل أخذ صورة اكسري في الصباح ، فتقول له أنها أخذت هذا المسهل . . وعندما تظهر الصورة يبين للأطباء أن شيئا غير عادي في الأمعاء . . ويبدأون الشك والريبة ويتحزرون عن وجود أمراض وليس مرض واحد في داخلها . . ] مع أنه لو استعملت المسهل حسب الإشارة لكانت ساعدتهم على تشخيص المرض الحقيقي وأراحتهم وأراحت نفسها من هذا العناء بل ربما لو صدقت لشفيت . . والعلم عند اللّه . .
أقول هذا لأنها كانت تكره اسم الدواء وتمريض وتطبيب فليس لها جلد ولا نفس لاستعمال ما يفيدها بالنسبة لقوة جسمها وبنيتها . .
وإني لا أبالغ إذا قلت أنها عندما كانت في دورها الأخير من حياتها منهوكة القوى حتى وبعد عملها عملية استئصال الصدر . . كانت رحمها اللّه تنزل وتصعد الدرج من الطابق الثالث في المستشفى . . وتذهب سيرا على الأقدام إلى قسم صور الأشعة ولم تستعمل المصعد بل كانت مرارا تنصحني أنا أن أستعمله عندما كنت أزورها هناك خوفا من التعب . .
في صيف سنة 1953 وكنا في بيت شحاده قشوع ازداد عليها الألم فتركنا الأردن وجئنا إلى بيروت وقد ظهر للدكتور يوحنا بندر شيء في الثدي فعملت عملية الاستئصال الكلي بواسطة الدكتور اللطيف سامي عبيد ونجحت العملية ، إلا أنها دخلت في مضاعفات ثانية قيل لنا أنها في الكبد بمرض يعرف ب [ سيروسس ] وهو من فصيلة أو عائلة ذلك المرض الخبيث لعنه اللّه . . وما هي إلا بضعة شهور حتى قضى على حياتها . وقد ساعدها اللّه لحسن حظها وطيبة قلبها وشدة إيمانها