تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
منذ نشأتي . نعم إنها المصاب الوحيد الذي ذقته وتألمت به ونسيت كل ما أصابني حتى تشردي وتركي مسقط رأسي بيت المقدس المحببة إلي ، نسيت كل هذا بسبب وفاة فيكتوريا العزيزة على قلبي بل التي كان القسم الأكبر من قلبي واللّه على ما أقوله شهيد . رحمها اللّه رحمة واسعة وأسكنها فسيح جنانه وألهمني وأولادها وأحفادها وجميع أفراد الأسرة الصبر والسلوان إنا للّه وإنا إليه راجعون . كان وفاتها 22 كانون الثاني سنة 958 ذلك اليوم المشؤوم وذلك في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت في غرفة الدرجة الأولى . كما كان الجناز عن روحها بعد ظهر ذلك اليوم في كنيسة سيدة النياح للروم الأرثوذكس رأس بيروت ودفنت في مقبرة هذه الكنيسة المقدسة لحسن حظنا . . وقد ضمت الجنازة جميع الأهل والأصدقاء والمعارف الذين جاء بعضهم خصيصا من الأردن وكان جمهور مجتمع يبكيها بكاء مرا لما كانت تتحلى به المرحومة فيكتوريا من خلق حسن وتواضع وحبها وتفانيها لفعل الخير ليس لذويها فحسب بل للغريب . . وهكذا خلفت والحمد للّه أولادا يسرى وليلى وجورج وآية يسيرون على خطتها يحبون بعضهم بعضا حسب تواصيها الدينية . وإني أسوق المثال التالي لما كانت فيكتوريا تحب الناس فقد شاهدنا أن جميع تجار المخازن في حي جاندارك - بيروت قد أغلقت أبوابها وقد سارت في موكب الجنازة تتحدث عن خصالها الحميدة وتترحم على أم جورج . كان العزاء في بيت يسرى الواقع في شارع جاندارك وتقبلنا التعازي أيام وليالي عديده وقد فتحت جيران يسرى وأخصهم جابر بيوتهم للمعزيين ولن أنسى لهم هذا الشعور النبيل وألف شكر لكل منهم . أما الحبيب جورج فقد جاء لوحده خصيصا من ليبيا ومكث بجانبها مدة أيام في المستشفى وقد كتمنا عنها خبر مجيئه لمشاهدتها خوفا من انزعاجها وقلنا أنه حضر على سبيل مأمورية زراعية ، وبعد اجتمع مع رئيس المستشفى المستر بليمانتون الأميركي اللطيف وأعلمه أنه والدته في حالة الخطر ولا أمل من شفائها نصحه بأن يكون واقعيا ولا يتأخر عن عمله وهكذا ودعها وقفل راجعا إلى محل عمله في ليبيا إلى أن عرفناه بوفاتها . . وقد حضر وفاتها جميع أولادها ما عدا جورج كما ذكرت الآن . إني لم أزل أحتفظ بجميع التعازي التي تسلمناها من الأهل والأقارب والأصدقاء من الخارج وكانت ولا شك تعزية رقيقة تنم عن شعور نبيل ومشاركة لي في هذا المصاب الجلل . أحتفظ بها ضمن دوسية خاصة للذكرى .

بس أرجوك . . قطعت قلبي

في أول ليلة بعد الجنازة وكان في بيت يسرى الواسع خصوصا الإيوان منه كان جمهور غفير من المعزيين إذ شاهدنا رجل غريب عنا ولأول مرة نراه ، وقف وفي يده ورقة طويلة عريضة وبدأ بصوت عالي يخطب ويرثي الفقيدة الغالية بأسلوب محزن دقيق ويثني على خصال المرحومة بأبيات من الشعر [ الخنفساري . . ] ثم انتقل إلى مديح زوجها الفاضل . . وخلفه الصالح . . وكأنه شخص عاش معنا وعرفنا حق المعرفة ، لا بل أكثر من الحقيقة . . الأمر الذي جعل جميع الحضور ينظرون
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 617 | واصف جوهرية