أيام من الشهر حتى ضاق صدرنا رغما عن مطالبتنا الحكومة بدفع غلاء المعيشة مرارا وتكرارا ، ولكن مع الأسف بدون جدوى .
جرت الاتصالات ما بين نخبة من موظفي الحكومة في جميع المدن في فلسطين ، وقد أسفرت عن قرار من لجنة موظفي الحكومة بالإضراب العام لمدة [ . . . ] « 1 » شريطة أن يترك الموظف دائرته ويذهب إلى الجامع أو الكنيسة أو الكنيس بموكب خاص ليبرهن لحكومة صاحبة الجلالة عن ظلامته ، وكان ذلك ولكن بدون جدوى . ثم قرار آخر من لجنة الموظفين بأن يقف الموظف خارج الدائرة التي يعمل فيها لمدة [ . . . ] « 2 » ليلفت نظر المراجعين والشعب عن مغدوريته ، وقد نفذنا هذا القرار ، ولكنه كان مع الأسف بدون جدوى .
إلى أن اتخذ قرار بوقوف الموظف في دائرته وفي ساعات العمل والامتناع عن العمل كليا ، والتكلم مع المراجعين أو رؤساء الحكومة ، وهكذا نفذ هذا القرار وبعد الجهد والمماطلة تساهلت الحكومة ودفعت لنا غلاء المعيشة بصورة جعلت الموظف المسكين أن يقف على قدميه بعد الكبوة ، ويعيش مستورا ومحترما نوعا ما ، ما بين أهله وأصدقائه .
وإني أذكر الحادث الطريف الذي حصل معي :
عندما كنت وزملائي من كتبه ومحصلي الأموال بالإضافة إلى عدد كبير من المراجعين أثناء ساعات العمل وبالوقت المضروب ، وقفنا وامتنعنا عن الشغل حتى وعن الكلام . . . وإذ كما قال المثل " ورد علينا عزيز كتابكم . . " دخل أسعد سعد ملهوفا وفي يده المعاملة ووقف أمامي وقال " نهارك سعيد " :
وقد حبكت النكتة معي فتبسمت وبعدما تلفت نحو زملائي والمراجعين أجبته بصوت مرتفع ما يلي :
اسمع يا أخي . . . نحن مضربون الآن عن العمل . . . لأننا مغدورون . . ونطلب الحصول على غلاء المعيشة . . . معلوم كل شيء غالي . . وحتى مضربين عن الكلام . . وبالطبع أنت صاحبي ولا يهون عليك شذوذي عن زملائي . . . ولذلك اسمح لي . . . فلا أستطيع أن أقول لك نهارك سعيد . . ! !
وهات يا ضحك وقهقهة من جميع من كان داخل الدائرة إلى أن انتهى وقت الإضراب ، وأصبح هذا الحادث موضوع البحث لدى موظفي الدوائر في القدس ليومنا هذا .
الموسيقار محمود صبح من مصر
زار القدس الأستاذ الأكبر ذائع الصيت الأستاذ محمود صبح ، وأقام مدة في الفندق العصري لصاحبه أخي وصديقي حسن عارف عويضة في مأمن اللّه ، وذلك إبان الحرب العالمية الثانية .
زرته وأخي توفيق مرارا في الفندق المذكور وأعجبت منه أيما إعجاب ، وكان - والحق يقال - مرجعا في فن الموسيقى العربي الأصيل وله نظريات نادرة وانتقادات لاذعة وفنية خصوصا لفناني هذا العصر . كان عصبي المزاج وناقما على الحياة كونه ضريرا لا يبصر . وكان حافظا وحائزا على رأسمال كبير في علم الإيقاع والمقامات ، وخصوصا الدرجات للسلم الموسيقي الشرقي .
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل .
( 2 ) ناقص في الأصل .