مهجورة في منازل السكن ، أو في أغلب بيوت القرى والمدن المحيطة بالقدس ، أمثال بيت لحم ، وبيت جالا ، وبيت ساحور ، وعين كارم ، وبين صفافا ، ورام اللّه ، وقراها ، أو في مزارع خاصة إلا وفيه نوع من الخنازير . . . وقد أصبحت الخنزيرة الأنثى محترمة لدرجة أن صاحبها يضحي بأغلى شيء عنده ويحضر له الدكتور في الظلام الحالك وليالي الشتاء والبرد القارص ، ليضربها إبرة دواء . . . عندما يرى أنها منحرفة المزاج . . . ويدفع زيارة الدكتور بالغا ما بلغت ، بالإضافة إلى ثمن الإبرة التي أصبح ثمنها معلوم لدى العموم بليرة فلسطينية . . . لا غير . وهكذا كان صاحبها ينام ليلته مرتاحا ، ومن هؤلاء الناس أقول جازما لا يجرؤ أن يحضر الطبيب في مثل هذه الحالات لزوجته . . . وأم أولاده . . . إيه واللّه .
إذا ما هو سبب هذا العطف المتزايد والاهتمام العظيم نحو خنزيرة ؟ ! ! أقول لأن ثمن هذه الخنزيرة أصبح يساوي في أيام الحرب العظمى ما ينوف عن الألف ليرة فلسطينية ! ! نعم ، ألف ليره فلسطينية وهي ولا شك ثروة ، وثمن دار للسكن ، ورأسمال كثير من التجار . ها للّه ها للّه يا خنزيره ! ! وسبحان المعطي !
وهكذا أصبحت تربية وتجارة الخنازير تقليعة أو بالأحرى موضة . . . في البلاد ، بل مرض معد أصاب المئات من الأسر المعروفة ، فمنهم من ربح مبدئيا وساعده الحظ بأن يشتري ثم يبيع حالما تكون الست الخنزيرة حامل ، فيكسب ويربح في الثمن . . . ولكن وفي نهاية هذه العملية يصبح مفلسا والعياذ باللّه ، وكم من هؤلاء أفلس بعدما رهن أو باع ما يملك من عقارات وحلي نسائه . . . فحدث ولا حرج .
والجدير بالذكر في هذا الصدد أن حكومة الانتداب ، وبخاصة رئيسها فخامة المندوب السامي آنذاك كان السبب المباشر في تشجيع الأهالي لتربية الخنازير في البلاد ، نظرا لوجود الألوف المؤلفة من جيوش الحلفاء في البلاد ، وإقدامهم على شراء لحوم الخنازير ، وبكل أسف لم يبق أحد إلا وأخذ نصيبه في هذه التجارة القذرة ، التي بنيت على سياسة بريطانية غادرة أكلت في النهاية الأخضر واليابس كما يقول المثل . . . وللّه في خلقه شؤون . وإني أدون للقارئ ما كان نصيبي من هذه التجارة فأقول :
إليك أيها القارئ الكريم مثال حقيقي عن الأسعار الخيالية التي وصلت إليها الخنازير مدة الحرب العظمى الثانية . أفادني أخي وصديقي زميل المدرسة والوظيفة فوتة دعدوش بصفته تاجرا بهذه البضاعة بأنه اشتري خنزيرة واسمها جعبورة . . .
من المستر جون واينبك الأميركي بالقدس بمبلغ 900 ليرة فلسطينية ! ! وقد رفض شراء أولادها الستة ، وكانوا إناثا بسبب ارتفاع سعر الولد إلى 600 ليرة فلسطينية ! ! ثم اشترى خنزيرتين من عائلة بسطولي ب 1300 ليرة فلسطينية ! !
والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه عندما انتهت الرواية الهزلية من قبل الحكومة قطعت توزيع العلف لأصحاب الخنازير فجأة ، فهبط سعر الخنازير فجأة أيضا ، فاضطر المسكين فوته دعدوش إلى بيع 29 خنزيرة ب 29 ليرة فلسطينية . وهكذا أصبح سعر الرطل للخنزير الذكر الحي ب 60 قرشا فلسطينيا فقط . . . وأساس لعبة الحكومة في تقليعة الخنازير أنها كانت تبيع الطون الواحد من علف الخنازير للتاجر ب 30 ليرة إلى 60 ليرة فلسطينية ! ! وكان معدل مأكول الخنزيرة يوميا ب 25 قرشا فلسطينيا .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 563
مساهمون: واصف جوهرية
ص٥٦٣