تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
الحاجيات ارتفاعا محسوسا ، ولكن تضخم العملة بواسطة الجيوش المحتلة وإشعالها وتوزيعها بين أيادي الشعب ، جعل الأهلين يعيشون ببحبوحة . وبوجود إمارة شرقي الأردن - آنذاك - اشتغل تجار البلاد العرب أشغالا لم يسبق لها مثيل ، فكانوا يدخلون الحاجيات والأقمشة حتى السجاد بدون جمارك إلا القليل منها ، فلعبت السوق السوداء لعبا ماهرا ، ما أدخل الثراء الكثير لدى الأهالي بصورة فظيعة ، وهكذا أصبح الموظف - أي موظف الحكومة من الدرجة الأولى والثانية ؛ أي الرؤساء والكتاب - هم المظلومون نسبة لراتبهم المربوط الذي أصبح لا يكفي لسد حاجات الموظف الأولية بسبب ارتفاع أسعار الحاجيات أيا كان نوعها . وعلى سبيل المثال كنا قبل دخولنا في الحرب العظمى الثانية نشتري الحاجيات الآتية وبالأسعار الآتية : زيت الزيتون الرطل ب 10 قروش ، تنكة السمنة بمائة وتسعين قرشا فقط ، كيس الدقيق اكسترا اكسترا ب 96 قرشا ، قنينة الويسكي جوني ووكر ب 40 قرشا ، بدلة رجل من الصوف الفاخر جاهزة بخمس ليرات فلسطينية . . . الخ . ولكن ارتفعت أسعار هذه الحاجات إلى ما يلي : زيت الزيتون الرطل ب 110 قروش ، تنكة السمنة ب 18 ليرة فلسطينية ، كيس الدقيق ب 9 ليرات فلسطينية ، قنينة الويسكي ب 4 ليرات فلسطينية ، بدلة رجل جاهزة ب 25 ليرة فلسطينية . وإني أدون هذا الحادث الطريف : أولا : دخلت مرة أثناء الحرب مخزن المرحوم العم أبي جورج ديب شكري ، فوجدت أستاذي خليل السكاكيني يشرب الأركيلة هناك ، فاستقبلني العم أبو جورج باشا وسألني بأن أشرب فنجان قهوة . . . أجبته لا . . شكرا . إنما أرجوك أن تقدم لي كأسا صغيرا من السمن الصافي الذي كنت أبتاعه منك قبل الحرب ! ! وهات يا ضحك ، لأني كنت أشتري منه التنكة من السمن الشرق الصافي بمائة وتسعين قرشا ! فتصور . ثانيا : ارتفع سعر البصل أيضا ارتفاعا خياليا ، فقد عرضت في قاعة المجموعة الجوهرية ثلاث حبات من البصل ضمن مجموعة المسبحات والحجارة الكريمة مع حبات الكارب الأصفر والأحمر . . . وكان هذا العمل يجلب نظر الزائرين للمجموعة . . . ويتساءلون لما ذا عرض البصل مع الكارب ؟ فأجيبهم لأن الأسعار أصبحت متساوية في هذا الزمن فسبحان المعطي ! ! وكانت هذه التقليعة نكتة أيام الحرب العظمى الثانية .

تربية الخنازير كان الشغل الشاغل للناس زمن الحرب العظمى الثانية

شر البلية ما يضحك . . . رحم اللّه من قال هذه الكلمة . أكتب هذه السطور وأنا لم أزل أتخيل أمامي الأهالي بعدد كبير منهم ، كانت أحاديثهم وشغلهم وموضوع بحثهم في جلسات البيوت والأسواق والسهرات قصة الخنازير وتربيتها ! كم وكم من الناس على اختلاف مذاهبهم وعملهم وثقافتهم بل وجهلهم دخلوا من حيث لا يفقهون في معركة . . . تربية الخنازير زمن الحرب العظمى الثانية في فلسطين . . . فإنك قلما تجد إسطبلا قديما داخل سور المدينة ، أو غرفة سفلى