تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
اليهود ومساعدتها لهم لتنفيذ هذا الوطن القومي في البلاد غصبا عن الأهالي الأصليين العرب ، وسن القوانين التي تساعد اليهود من حيث الهجرة ومدهم بالسلاح طيلة المدة التي بدأت منذ الاحتلال البريطاني سنة 1917 لغاية دخول بريطانيا في الحرب العظمى الثانية ، وما فعلته بريطانيا من شدة وقسوة وظلم ضد العرب ، جعل العرب بلا شك يكرهون الإنكليز كرها شديدا ، وهكذا كانوا في السر والعلانية يتمنون النصر لألمانيا . وكانوا بالفعل يجتمعون حول المذياع في المدن والقرى ويستمعون إلى الأخبار بلهفة لكل ما يسمعونه من نصر لألمانيا ، ويحزنون لأي خبر يكون في صالح الإنكليز وحلفائهم . أما اليهود فقد ظهر على وجوههم الكآبة والحزن والأسى والخوف ، خصوصا عندما جاءت جيوش الألمان إلى طبرق تحت قيادة رومل ، وإني أدون هذا الحادث للقارئ على سبيل المثال : أذكر أنني عندما كنت ولجنة تخمين ضريبة الأملاك في المدن في كوميانية يهودية ، تعرف ب كوميانية [ يكيا كيايم قطعة 68 ] خارج القدس ، صادف أن بائع رمل من أهالي الخليل متجولا كان ينادي بأعلى صوته [ رمل . . رمل . . رمل . . ] وهذه عادة معروفه يباع الرمل إلى الأهالي لأجل جلي النحاس من طناجر وغيرها . . فعندما سمعت اليهود هذا المنادي ومن شدة خوفهم وقلق أفكارهم . . اعتقدوا بأن ( رومل . . دخل القدس . . ) وهكذا بدأوا بالصياح والبكاء والهرب من الأزقة إلى بيوتهم بصورة مخيفة جدا ، وكان هذا المنظر أمامنا نحن أعضاء لجنة التخمين . . . إلى أن اتضح لهم أن المنادي هو بائع الرمل . . وليس رومل . كما أني أدون هذا الحادث أيضا صادف معي والطبيب الألماني هرمن سيمون اليهودي : كان هرمون سيمون طبيبي ، وقد نجوت على يده زمن الحرب لما كان عليه من علم ومقدرة ، وهكذا ذهبت وزوجتي إلى بيته في شارع الملك جورج ، وعرضت عليه المساعدة في حالة دخول الألمان القدس وأطمئنه بأنني قادر على بقائه وزوجته وابنته عندنا في البيت نظرا لما أنا عليه من صداقة خصوصا مع الأسرة الحسينية التي كانت تعتبر زعيمة العرب ، ولا خوف عليه وعائلته بإذن اللّه من أي سوء . . . ولكن بهت عندما أجابني : لا شكرا ، لك وقد دلني مشيرا بإصبع يده إلى إبرتين جاهزتين بالسم الواحدة له والثانية لزوجته ، وقال إذا لا سمح اللّه دخل الألمان فهذا يكون مصيري وعائلتي ولن أستسلم للألمان .

حالة البلاد زمن الحرب العظمى الثانية من الوجهة الاقتصادية

بصفتي أحد الموظفين ممن شاهد مأساة الحرب الكونية الأولى في البلاد بين سنة 1914 - نهاية سنة 1917 ، فإني أقولها صراحة إن الفرق شاسع ما بينها وبين سنين الحرب العظمى الثانية ، فقد قضينا المرحلة الأخيرة بألف خير والحمد للّه . لا مجاعة ، ولا جراد ، ولا فقر ، ولا مرض ، ولا تشرد أبدا ، فقد عرفت بريطانيا العظمى كيف تسوس البلاد ، فلم ينقص علينا من مواد الغذاء شيء ؛ فالسكر ، والأرز ، والشاي ، واللحوم ، وكل شيء كان بكثرة . نعم ، كنا نتناول هذه المواد الأولية بواسطة البطاقات من دائرة خاصة تعرف بدائرة مراقبة الأغذية ، ولكن لم ينقص علينا شيء رغما عن ارتفاع أسعار
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 561 | واصف جوهرية