الحرب العظمى الثانية
لأسباب صحية كنت متغيبا عن العمل عندما أعلن الحرب العظمى الثانية في أيلول سنة 1939 ، وقلت في قرارة نفسي شاء القدر أن نشهد حربا كونية ثانية ؟ ! ! ألم يكف ما دهانا منذ وجودنا هذا الجيل في الحياة من ويلات ومجاعات وتشرد وحروب ثم ثورات متواصلة منذ الاحتلال البريطاني البغيض إلى يومنا هذا ؟ ! ! لا اعتراض على حكم اللّه والحمد للّه على كل حال .
أما الحالة السياسية العامة في البلاد فأقول إن الجيش البريطاني الذي كان موجودا في فلسطين بكثرة يحارب ثوار العرب منذ سنة 1936 ثم الصهاينة الذي أزعجتهم قوة وصلابة العرب طيلة هذه المدة تنفست الصعداء عندما أعلنت الحرب العظمى الثانية وتخلصت نهائيا من هجوم العرب عليهم والتنكيل بهم في مواقع كبيرة وكثيرة في البلاد ، يفخر لها كل عربي نبيل . وهكذا أسدل الستار عن الثورة المجيدة التي قام بها العرب من أهل البلاد الوطنيين مدة ثلاث سنوات أتوماتيكيا بسبب الحرب العظمى .
وكما ذكرت سابقا ، فإن المفتي الحاج أمين الحسيني الذي كان حجر عثرة في وجه سياسة بريطانيا المعوجة في البلاد تمكن من الإفلات ، وغادر القدس سرا في 13 تشرين الأول سنة 1937 إلى لبنان . وهكذا أصبحت البلاد خاوية زمن الحرب ، وقد علمنا بأن صاحب السماحة ترك لبنان في 30 مارس سنة 1940 وسافر إلى إيران ، ثم إلى تركيا وبلغاريا وأخيرا إلى ألمانيا . وفي 8 مارس سنة 1945 غادر ألمانيا إلى سويسرا فأرجعته مسجونا إلى الجزء من ألمانيا التي كانت تحت إشراف فرنسا آنذاك .
ورغما عن عدم وجود عدد كبير من زعماء البلاد عن فلسطين هربا من ظلم حكم الانتداب ، فقد اتخذت بريطانيا فرصة دخولها في الحرب سببا للتنكيل في العرب ، فقد اعتقلت بالفعل مئات آخرين من العرب وقبضت على البعض بتهمة الاشتراك في أعمال الثورة الماضية ، فحكمت على 47 منهم ، وبالسجن المؤبد على 36 شخصا وبمدد تتراوح بين العامين والخمسة عشر عاما على مائتين وثلاثة أشخاص آخرين .
وتشددت الحكومة في تطبيق أنظمة الطوارئ ، وفرضت الغرامات المشتركة والضرائب الإضافية ونظام منع التجول على كثير من المدن والقرى في فلسطين ، وفتشت عن السلاح ، وصادرت ما وجدته عند الأهلين من سلاح قديم وعتاد بال ، ثم فرضت على أهل القرى تقديم كميات معينة من الأسلحة النارية وحكمت المحاكم العسكرية بالإعدام على العرب الذين قبضت عليهم وفي حيازتهم أسلحة ، وقد نفذت بهم حكم الإعدام في الحال ، وهكذا ضربت العرب وما قاموا به من ثورات في الصميم لغاية العام 1941 .
من المعروف لدى العالم أن بريطانيا العظمى عند دخولها الحرب الثانية بالاشتراك لجانب الحلفاء أميركا وفرنسا ومن ثم روسيا ضد العملاق الألماني ، كانت ليست على استعداد تام لمجابهة ألمانيا التي كادت أن تمزق أوروبا بأسرها عند دخولها لأول معركة ، وهكذا نظرا لما ظهر للعرب ليس عرب فلسطين فحسب ، بل للعرب كافة في الأقطار المجاورة ، ظهر لهم ألاعيب بريطانيا ونكثها للعهود ووعدها المشؤوم بوعد بلفور يجعل وطنا قوميا لليهود في فلسطين ، ومن ثم تواطؤها مع