تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
كان الأخ فخري لم يزل أعزب ، وعنده سيارة خاصة ، وهكذا اختص كل منا في غرفة نوم خاصة ، أي أنا والعائلة والأخ خليل وزوجته والأخ فخري وخصصنا الغرفة الرابعة للضيوف ، والإيوان الفسيح صالون ، وهكذا كانت صيفية مرحة هادئة لم يتركنا الزائرون من الأقارب والأصدقاء وهم كثرة والحمد للّه . كنا كثيرا من الليالي نشاهد حول الدار في الشوارع أهل بيت لحم الكرام يتسمعون إلى غنائنا وعزفنا على كثير من الآلات ، وكنا نعرف بالجوقة الجوهرية . وكان الأخ طلعت الحسيني خصوصا وزميله فخري عندنا لا ينقطع عن زيارتنا في هذا البيت ، ومن عرف طلعت الحسيني وما هو عليه من خفة روح ودم وسخرية وتمثيل يؤكد ما كنا عليه من مرح وسرور طيلة الصيف . وإني أذكر أنه بمناسبة زيارة السيد توفيق منطورة من القاهرة ولأول مرة وهو شقيق رئيسي عطا اللّه أقمنا له حفلة سهر ضمت نخبة من الأصدقاء وأصدقاء منطورة تجلى فيها الطرب والحظ إلى بعد منتصف الليل ، لم يزل كثير من جيران تلك الدار في بيت لحم يذكرونها . وحسب إشارة الطبيب نصح بأن نقضي شتاء تلك السنة في أريحا ليسترد ولدي جورج قواه تماما ، وهكذا كان فقضينا الشتاء في أريحا في فندق الأردن لصاحبه - آنذاك - الأخ توفيق ناصر مقحار . ولحسن الحظ كان العم إسماعيل بك الحسيني عضوا في لجنة الاستئناف لتخمين ضريبة الأملاك تحت رئاسة نصوحي بك بيضون ، وكنت أنا الموظف المسؤول عنها ، كنت أرافق العم إسماعيل بك في سيارته الخاصة عند ظهيرة كل يوم من القدس إلى أريحا بصفته ملاكا هناك لا يستطيع البقاء في برد القدس . وهكذا قضينا شتاء سنة 1935 - سنة 1936 بسرور وعافية والحمد للّه ، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فقد رجعنا القدس مبكرين عند أول الربيع ، رجعنا اضطراريا لأن البلاد أصبحت على الثورة ضد بريطانيا واليهود ، وذلك احتجاجا على الهجرة اليهودية المتدفقة على الوطن بصورة مخيفة لم يسبق لها مثيل ، وكثرة شراء الأراضي العربية كما سيجيء البحث عن هذا الموضوع فيما بعد ذلك الإضراب المنظم في طول البلاد وعرضها لمدة تتجاوز الستة شهور . « 1 » [ أحداث وثورة 1936 ]

فكرة تأليف مجلس تشريعي سنة 1935

في مدة المندوب السامي السير ارتور واكهوب ، وعندما استمرت مقاومة العرب للسياسة المتبعة - آنذاك - في البلاد ، وأصبحت مقاومتهم هذه ضد بريطانيا مباشرة ، فلأجل استرضائهم عرض المندوب السامي بتاريخ 21 و 22 كانون الأول سنة 1935 مشروعا لتأليف مجلس تشريعي لفلسطين مؤلف من 28 عضوا منهم : 12 عضوا بالانتخاب ؛ 9 مسلمون ، ومسيحي واحد ، و 3 يهود 9 أعضاء بالتعيين ؛ 3 مسلمون ومسيحيان ، و 4 يهود
هامش
( 1 ) حاشية من واصف جوهرية في هامش نص المخطوطة : قد ترأس ولدنا جورج على جميع الأولاد من عمره المقيمين في الفندق المذكور ، فكان يعاملهم وكأنه دكتاتور ، فكان - حماه الله - يترك عربته الصغيرة جانبا ويهجم بكل قواه ويخلص عربة أحد الأولاد هناك ويحتفظ بالعربتين ، وكثيرا من المرات بثلاث عربات . . . والويل ثم الويل لمن يريد أخذ واحدة من يديه . كان يعربد كعربدة السكارى ، ويبكي بصوت يزعج جميع الجيران ، وكم وكم من الليالي عندما يفيق من نومه ويبدأ بالبكاء بصوت مزعج إلى أن يضطرني إلى الذهاب ليلا إلى البقالة ، وكان أحد الأصدقاء فاتحا بقالته ، وأشتري له علبة كاملة من الشوكولاته ( نستلي ) ولم أرض البتة إلا أن يفتحها هو بنفسه ولا يقبلها إلا مغلفه ومن الحجم الكبير ! وقد صادف أن السيدة والدة جورج قرط كانت وزوجها يجلسان خارج البيت طريق عين السلطان ، وهي - أي أم جورج - من الجيران الطيبين عندنا بالقدس كانت تحب مداعبته ، فعندما مر عنها مع والدته في عربته الصغيرة وكان معربدا في تلك الفترة ، فقد احتكت به وشتمت والده . . . وهناك نرفز جورج بك وما كان منه إلا أن التقط حجرا من الشارع ، وضربه لهذه السيدة الفاضلة فأصابها في رأسها جرحا بالغا . . فتأمل . . . كان عمره حوالي الأربع سنين . هكذا كان جورج منذ صغره ، وإني سأدون له الكثير - بإذن الله - وكنا نقول له الحاج طوشة ، وطالع لعمه خليل جندرمة وليس لأبيه ، حماه الله من كل شر . . . وإن الله يهدي من يشاء .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 532 | واصف جوهرية