حسنين من أجمل المغنيين الذين عرفتهم من قبله حتى وبعده ، فهو طويل القامة ، ووجهه حسن يميل دائما إلى الابتسامة ، أنيق الهندام ولباسه المصري الأصيل معمعم يلفت الأنظار ، خصوصا عندما ينشد فيزداد روعة وخفة .
كان يرأس الحضور المرحوم العم محيي الدين أفندي الحسيني الذي تجلى الكرم به في تلك الليلة ودفع ثمن تذاكر الدخول لتلك الحفلة عن عدد كبير من الحضور . غنى الشيخ حسنين الشيء الكثير من قصائده المعروفة والمحببة إليه مثل قصيدة " إلا زعملت ليلى بأني أحبها . " وقد تجلى وأحسن عندما وصل إلى الشطرة " لقد فضلت ليلى على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر " فهاج الجمهور وماج طربا فأعادها الشيخ حسب الطلب ، خصوصا من العم محيي الدين أفندي أعادها مثنى وثلاث ورباع ، ثم غنى وأخاه ديالوج التلفون رجوته أنا بغنائه لأنني كنت أنشده في الليالي وتعلمته نقلا عن أسطوانة منه " .
والحق يقال أن هذا الديالوج فيه انتقاد لطيف لشركة التلفون ، وخصوصا للآنسات والموظفات لإعطاء النمرة . . . وأن التلحين تناسب مع المعنى المطلوب . وبعد هذه الحفلة لم ينقطع الأستاذ حسنين وفرقته عن زيارتي في المجموعة الجوهرية وقد ضممت لفرقته صديقي آرتين عازف السنتور وقضينا أوقاتا جميلة في البيت وخارج البيت . . . وأصبح الشيخ من أعز الأصدقاء لي ، وقد أحب مدينة القدس وأقام فيها ، وكنت أساعده بتجديد مدة الإقامة دائما وأبدا بواسطة أصدقائي في دائرة المهاجرة والسفر ، إلى أن صادف فتوح دار الإذاعة سنة 1936 ، فتعين وفرقته فيها ومكث عندنا مدة طويلة . قدم لي رسمه ثم هو والفرقة للذكرى ، وإني لم أزل أحتفظ بهما ضمن المجموعة الجوهرية .
وقد اشتغل الأستاذ حسنين وفرقته في مقهى العم أبو زهدي زحيمان باب العمود ، ولما كان الأستاذ طلعت السيفي أخا لأولاد الجوهرية أخذته لأول مرة إلى هذا المقهى فطرب جدا . والجدير بالذكر أن طلعت عندما استمع لعازف البزق الأستاذ عبد الكريم المعروف بالقزم سر كثيرا فوقف بين الجمهور وقال لي بأعلى صوته " يا واصف واللّه باستطاعتي أن أدخل عبد الكريم والبزق تبعه في . . " ، والمعروف أن طلعت طويل القامة بزيادة شويه . . . وهات يا ضحك كاد أن يغمى عليه خصوصا حسنين . . وختاما أقولها صراحة إن الأستاذ حسنين لهو من أحسن منشدي القصائد وصوته حنون ومشبع ، ثم إلقاؤه الغناء فهو ممتاز ولا عجب فهو مقرئ القرآن . قضينا وإياه بالقدس ليالي طويلة وتغذينا بإنشاده العذب . . . فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها !
مصيف بيت روك في بيت لحم
تأثر ولدنا جورج من الحصبة وشكا من أذنه فضعف جدا وقد أصاب أخته آية ما تعرف بالسعلة الشهاقة وهكذا ولأجل نجاح صحتها الغالية قضينا فصل الصيف من سنة 1935 في طريق الدهيشة بيت لحم . استأجرنا الطابق العلوي من الآنسة هيلين روك مقابل منزل السيد حنا قواس رئيس البلدية ، وإن هذا الطابق في غاية الجمال والإتقان ، فسيح القاعة وغرفه وسيعة وموقعه ممتاز ، يشرف على غابة زيتون بيت جالا ، وقد صدق المرحوم الشيخ خليل الخالدي أن هذا المنظر يشبه تماما غرناطة في الأندلس .