الصعبة ، والدنيا على أبواب الحرب ، وأغلقت حدود روسيا . . . إلى ما هنالك من أعذار وكادت عيونه تبكي . . . الأمر الذي أخجل الشيخ أديب جدا من موقف البطريرك هذا ، وأحس فعلا بما كان يكنه البطريرك من حب وشعور من نحوه .
ثم نادى البطريرك على بنايوت أفندي . . . الذي كان حاجبا أمينا له وأمره بفتح الخزنة الحديدية وجلب إليه من التنك .
فلما أحضرها قال البطريرك إلى الشيخ أديب يا ولدي لا تؤاخذني افتح منديلك ففتح المنديل وقد أفرغ ذميانوس جميع ما كان في العلبة من قطع نقود فضية وغيرها . أخذها الشيخ أديب شاكرا وقبل يديه وعندما عد النقود في بيته وجد أن المبلغ هو عبارة عن [ اثنين وأربعين ليرة . . بس لا غير . . ] .
قضى ذميانوس حياته كلها وكأنه ملك يصرف ويتكرم بدون حساب ، وقد جاء دور البطريرك ثيموثاوس عندما عين خلفا له أصابه الشلل . . . لسنين طويلة ، وما كان يصرف إلا اللازم حتى نفد صبر الرهبان من تصرفاته غير المرضية ، وهكذا تمثلت فيه وذميانوس قول الشاعر :
" أروني بخيلا طال عمرا ببخله * وهاتوا كريما مات من كثرة البذل "
كان ذميانوس عالما مدركا سياسيا ، ولعب دورا عظيما في حياته ، وكان علما بالنسبة لزمانه ، وأما البطريرك ثيموثاوس فكان متعلما أكثر منه وخريج أكسفورد ، وجاء في زمن يليق به وحده ، زمن الماديات والسرعة رحمهما اللّه وأسكنهما فسيح جنانه .
الحندقوق والخروف للجوهرية
كان المرحوم الوالد موظفا في البطريركية الأرثوذكسية ، [ . . . ] « 1 » وكان عضوا في المحكمة الكنسية ، وقد صادف بمناسبة العيد الكبير والفصح المجيد أن الترجمان الأول المرحوم المطران إفذوروس أرسل خروفا مع العم أبو خضر هدية من قبل البطريرك إلى الوالد . استلم الخروف العم أبو خضر وجاء به إلى حي باب العامود فدخل الزقاق المعروف والمؤدي إلى حي السعدية وكان الوقت بعد الغروب .
فما كان من أبي خضر إلا أن ساق الخروف أمامه وبدأ بأعلى صوته ينهر وكأنه خلف قطيع كبير من الغنم . . . وهكذا اجتمع من حوله جمهور غفير من أولاد حي السعدية يضحكون وهو لا يبالي ، ويزيد صياحا إلى أن خرج السكان من أبواب وشرفات منازلهم من على جانبي الطريق المؤدية من باب العامود إلى قنطرة المملوك ، إلى أن وصل دار الجوهرية ، وكما قلت كان يصيح بصورة تجعل المستمع أن يصدق أن قطيعا من الغنم مار مع الراعي . . . في سكون الليل وهو يقول للناس اللهم زيد وبارك كل هذا الحلال عائد لجوهرية أفندي . . . وقد سمع والدي وسمعناه نحن جميعا حتى الجيران من مسافة طويلة ، فخرجنا إلى الشارع والوالد معنا وهناك وجدنا العم أبو خضر والخروف وبس . . . وهناك الضحك ، وقد نرفز الوالد وقال له ولك اللّه عليك . . . فضيحة كبرى . . يلعن أبو هيك هدية التي جاءتني على يدك . وكانت هذه الحادثة الطريفة موضع بحث لدى البطريرك والحاشية والموظفين ، وهي حادثه من مئات الحوادث .
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل