تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
عندما يذهب بمهمة لسيده البطريرك مثلا إلى البريج ، والبريج هو ملك كبير فيه المياه والبساتين الغناء والبيوت ، خصص لإقامة سيدنا مدة وجيزة في السنة للراحة ، فإذا ما سألت أبو خضر أين كنت ؟ ! . . . يجيبك وكأنه قاموس لمجموعة كبيرة من أسماء القرى والبلاد في فلسطين - نعم قاموس - فتح وقرأ أبو خضر منه : ذهبنا من الصباح إلى لفتا وقالونية وعين كارم والقسطل وخربة اللوز ومطاف ودير عمرو وكسلا ، ثم ميلنا إلى بيت محسير وساريس و . . . و . . و . . . أسماء متصلة ببعضها البعض بصورة يغمى على السامع من الضحك وهو يقرأ عن ظهر قلبه قرى وبلادا أخرى وكأنها رحلة السندباد البحري ، ثم يزيد القراءة إلى بلاد أخرى بعيدة عنا كل البعد ، ومثلا يقول نمنا هناك ورأينا الشيء الفلاني ، ثم أفقنا وذهبنا إلى كذا وكذا . . . وكذا من البلاد واشترينا كذا وكذا . . . يتكلم بجد ولا يبتسم وكأنها حقيقة أو حادثة مكتوبة ، إلى أن يملّ المستمع من كلامه وينسى أشغاله ثم يفيق ويترك أبا خضر والناس من حوله مبهوتون . وإذا ما ذكرت له أو سألته عن أحد أبناء الطائفة ، فهذا يبدأ بشرح ما هو محفوظ عن ظهر القلب في دماغه من أسماء عائلات الطائفة الواحد تلو الآخر ، وكأنه سجل النفوس . إبه واللّه هكذا كان أبو خضر الحندقوق لن أنساه ما دمت حيا .

أبو زربس كيف أخوك واصف ؟

بعد الانتداب البريطاني أصبح موسم النبي موسى بالقدس خاصة عيدا قوميا ، وذلك بمساعي سياسة سماحة الحاج أمين الحسيني المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ، فإذا ما شاهدت موكب النبي موسى يأخذك العجب والدهشة لما تراه من تنظيم وتجمعات من أقطار المدن والقرى المحيطة بالقدس ؛ جنوبا خليل الرحمن ، وشمالا نابلس ، تكون مدينة القدس في أبهى العيد والبهجة والحماس السياسي ضد المستعمر والصهيونية لمدة أسبوع كامل . والجدير بالذكر أن هذا الأسبوع يقع في أسبوع الآلام ذاته لجميع الطوائف المسيحية بالقدس ، وزاد على ذلك عيد اليهود . كان المرحوم العم أبو ميخائيل القزاز وزوجته يحبونني وكأنني ولد لهما ، تأسست هذه المحبة عندما كنت في أول العمر زمن الحرب العظمى الأولى في أريحا أصرف معظم أوقاتي في بيتهم صديقا لابنه ميخائيل . وقد صادف أن العم أبو ميخائيل حضر خصيصا من أريحا بمناسبة العيد وكان واقفا في المقبرة الملاصقة لبوابة المدينة المعروفة بباب الأسباط ، وقد لاحظ أخي توفيق واقفا أيضا في الجهة الأخرى لهذا الباب ، كلاهما واقفان لرؤية موكب النبي موسى القومي الذي كان يسير من باب الأسباط [ أهازيج ودبكات ورقص ولعب السيف وأناشيد حماسية وطنية ثم فرقة موسيقى الأيام ، ثم الأعيان والشيوخ وحاملو الأعلام وعلى رأسهم الحاج أمين ] ، وإذ بصوت القزاز - الصوت العالي المعروف لكل من عرف القزاز - ينادي في هذه المعركة [ أبو زريس ! ! أبو زريس ! ! أبو زريس ! ! ] بقي أخي توفيق البعيد عنه بمعنى أبو جريس ! ! إلى أن سمع توفيق بعدما شاهد القزاز ينادي ، وكانت هذه المناداة سببا للفت أنظار الجمهور في تلك الفترة . وبالاختصار ، أجاب أخي توفيق العم أبو ميخائيل ما ذا ؟ القزاز : كيف حال أخوك واصف ؟ !