وإني أعترف هنا صراحة في هذه الفترة من العبادة طلبت من اللّه عز وجل أن يعطني ولدا ذكرا ، وقد قبل طلبي وألف شكر للّه فقد أنعم علي بعدها مباشرة بولدي جورج ، فسبحانه وتعالى . والجدير بالذكر أننا عندما تركنا الدير وركبنا الحمير ، ولدى وصولنا في الطريق بجانب مدخل دير بن عبيد ، تكاثرت الغيوم في السماء واختلف الجو فأمطرت مطرا غزيرا وصلنا إلى القدس وجميعنا مبلل في حالة فظيعة ، حتى أن الحمير توقفت عن السير إلى أن وصلنا بصعوبة ، خصوصا يوسف عبده وسليمان فراج اللذين كانا يركبان الحمير لأول مرة في حياتهما .
الفارق ما بين البطريرك ذميانوس وتيموثاوس . . . عكسك تماما
من المعروف ولا شك فيه أن المغفور له البطريرك ذميانوس كان كريما وسخي العطاء ، حتى إن صح القول مسرف في مناسبات عديدة . وقد سما اسمه في الداخل والخارج لما كان عليه من عيش رغد وترف ، فقد أصبحت البطريركية الأرثوذكسية بالقدس إبان حياته وكأنها أشبه بحكومة ضمن حكومة . وقد اعتاد على هذا الحال حتى دخول الحرب العالمية العظمى ، فانقطع عنه كما كانوا يسمونه " نهر الكربونات " من روسيا إثر دخولها في الحرب ، ثم الثورة التي غيرت مجرى حياتها والبطريرك ذميانوس لم يزل يبذر الأموال ، وكله أمل بأن الأحوال ستتحسن ، وقد اضطر إلى أن يستدين من أثرياء البلاد زمن الحرب بصورة تبهر الأنظار ، فقد كان يستلم الليرة التركية بنكنوت التي كانت لا تسوى أكثر من عشرين قرشا يستلمها على فيئتها وقيمتها الأساسية الرسمية ؛ أي مائة قرش ويوقع السند للدائن وكأنه استلم ذهبا لا ورقا ، حتى أصبحت البطريركية عند الاحتلال البريطاني تئن تحت مبالغ طائلة من الديون .
كل هذا حدث بسبب كرم وإسراف البطريرك ذميانوس ، ولولا دخول قومسيون مؤلف من دولة الانتداب البريطاني تحت رياسة المستر ديفيز الذي وقف بجانب مصالح البطريركية ودفع الديون لأصحابها بنسبة قيمة الليرة العثمانية تاريخ توقيع السند مع البطريرك لكانت المصيبة أشد وأبلى . وعلى كل حال ، تسربت أملاك [ كثيرة ] إثر هذه الديون ، وذهبت - ويا للأسف - إلى اليهود وهي من أجود أراضي ضواحي مدينة القدس [ مثل ] شارع الملك جورج ، ورحافيا [ مناطق ( أ ) و ( ب ) و ( ت ) ] وبجوار كنيسة المصلبة والطالبية [ مناطق ( أ ) و ( ب ) و ( ت ) ] .
لا يستطيع أحد أن ينكر ما عمله البطريرك ذميانوس إبان حكمه ما بين سنة 1897 إلى سنة 1914 ، فقد اشترى الأملاك الشاسعة من الأهالي باسم البطريركية ، ثم بواسطة كرمه هذا فقد حصل من الدولة العثمانية على فرمان يسمح للبطريركية الأرثوذكسية أن تدفع مبلغ ألف ليرة فرنسية سنويا رسما مقطوعا عن جميع أملاك البطريركية في فلسطين من ويركو وأعشار و . . . و . . . الخ .
وقد حاولت دولة الانتداب أن لا تعترف بهذا الفرمان ، وقد استوفت بالفعل الضرائب المرتبة عن كل ملك كان يباع أو يفرز أو يرهن أو يجدد حسب نص القانون لباقي الأهالي ، وقد تمسك البطريرك بهذا الفرمان وذهب يشكو إلى لندن حيث تقرر العمل بموجبه ، ولدى رجوع البطريرك وبموجب أمر خاص من حكومة لندن ، أرجعت كل المدفوعات من قبل الخزينة إلى البطريركية .