إن كرم ذميانوس عجيب ولا مجال للتحدث عنه أكثر ، بل رغبت أن أعطي القارئ لمحة وجيزة ، فإذا ما عين متصرفا زمن الحكم العثماني بالقدس كانت البطريركية تدفع له إيجار المنزل وتهديه العربة مع الخيول ، وتنظم له ولعائلاته كل أسباب البذخ والراحة والسفر والرحلات والشطحات ، وكذلك أعظم رؤساء الدوائر بمناسبة الأعياد ، ولا تسأل عن الاحتفالات التي كانت تنظم زمن البطريرك ذميانوس ، الاحتفالات الدينية مثل شطحة ستنا مريم ، ومار الياس ، والمصلبة ، وغيرها في طول البلاد وعرضها ، فكانت البطريركية تقوم بضيافة الحكومة حتى الجيش وفرق الموسيقى ليلا نهارا ، وتقدم الهدية المستورة . . . لكل موظف بالمناسبات من دراهم ذهبية بركة . . . من غبطة البطريرك .
وقد علا اسم ذميانوس والبطريركية ودير الروم زمن الحكم العثماني ، وأذكر بهذه المناسبة ما قصه والدي علي من حادث فعلا :
تخرج شاب من أعيان الأتراك في الآستانة ، تخرج من علومه وتعين بموجب فرمان سلطاني متصرفا في الحجاز . وقد صادف أن هذا الشاب كان يسمع الكثير من والده عندما كان موظفا كبيرا مسؤولا في إحدى المدن زمن صباه ، وكيف كان يتمتع هو وعائلته في الحياة من قبل بطريرك الروم . وعندما وصل الشاب المعين متصرفا إلى الحجاز استقبلته على محطة القطار وجوه وأعيان وموظفو الحجاز استقبالا حارا يناسب المقام . وبعد السلام على كل من المستقبلين التفت المتصرف هذا إلى موظف كبير وسأله [ نره به روم منا ستير . . ] ؛ أي [ أين دير الروم ] ؟ ! ! ولم يفكر سعادته بأن الحجاز خاوية من المسيحيين ، وعندما أجيب بعدم وجود دير الروم ، كتب الاستقالة وأرسلها تلغرافيا إلى الآستانة ، وبالفعل ترك أخينا الحجاز بعد كم من يوم لشدة حبه لدير الروم !
والآن أقول عندما رسم ثيموثاوس بطريركا للقدس خلفا لذميانوس ظهر للبطريركية والأهالي بأنه عكس ذميانوس تماما ويا للأسف :
عرفت سيدة يونانية اضطرت أن تترك القدس ، وكانت في حالة يرثى لها من الفقر والعوز وعزمت على الذهاب إلى بلدها في اليونان ، وهكذا وبالواسطة واجهت غبطة البطريرك ثيموثاوس وطلبت مساعدته للقيام بسفرها . فما كان منه إلا أن أخذ ورقة وقلم وباشر بتدوين كل ما يلزمها من نفقات بصورة أخجلت المرأة وأخيرا دفع لها مبلغ ليرتين . . وبس ليرتين فلسطينيتين وقال لها عندما لوحظ عن عدم رضائها بما دفع [ يا سيده لا تفكري بأنني ذميانوس ؟ ! ! ] .
وإني أرجع وأذكر هذا الحادث لذميانوس :
صادف أن الشيخ أديب جودة محافظ مفتاح كنيسة القيامة قبل أيدي ذميانوس عندما دخل الكنيسة ذات يوم في منتصف سنة 1914 ، وطلب منه بركته . . . أي إعانة لأنه يرغب في الحج . . . فما كان من ذميانوس إلا أن هش وبش في وجهه ودعاه لرؤيته في البطريركية . وعندما حضر الشيخ أديب جودة إلى مكتب البطريرك الخاص في البطريركية استقبله غبطته بأحسن استقبال ، وبدأ يقدم له الاعتذار عن قصوره وعدم استطاعته بتقديم الواجب له من نقود في مثل هذه الأوقات
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 496
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٩٦