الحندقوق والعم أبو فضل
كان العم أبو فضل وهو ثيودر أفندي برامكي موظفا دائما في مكتب الترجمة للبطريركية ، فإذا ما دخلت إلى القاعة التي كان يجتمع فيها أعيان الطائفة برئاسة الترجمان الأول للبطريركية للنظر في شؤون الطائفة ، كنت تجد المرحوم العم أبو فضل جالسا على مكتبه .
كان العم أبو فضل طيب القلب أنيسا كريما محبوبا لدى الجميع ، وكان - رحمه اللّه - أعرج . . . ولما كان من عائلة البرامكي فكان يتجنب المشاكل ولا يحب إلا السلام كباقي أفراد هذه العائلة الكريمة ، وكان الجميع داخل البطريركية وخارجها يعرفون مزاياه حتى الحندقوق . ففي عصيرة ذات يوم دخل أبو خضر إلى قاعة الترجمة ولم يجد أحدا سوى العم أبو فضل يكتب على مكتبه الذي كان في إحدى زوايا هذه القاعة ، فحبكت النكتة للعم أبو خضر ، وبالحال مثل وكأنه سكران [ . . . ] « 1 » بدأ يسأل العم أبو فضل أسئلة غير مفهومة . . وبلغة مكسرة . . . إلى أن اعتقد العم أبو فضل من شدة سكره ، وهكذا خاف جدا من السوء ، فوقف لأجل أن يترك القاعة ولكن إلى أين ؟ ! ! فجاء أبو خضر وحشره ما بين المكتب والحائط . . . إلى أن تدارك أبو فضل الأمر وحاول أن يجامل أبا خضر بالكلمات المعسولة واللطف والبشاشة وإعطائه الإرشادات :
حرام عليك يا أبا خضر أترك هالسكر ، فهذا يا ابني مضر لك وأنت صاحب أولاد صغار ويؤثر على صحتك . . و . .
و . . إلى ما هنالك من نصائح . وهكذا وبالحال أظهر أبو خضر طاعته العمياء إلى عمه أبو فضل تمثيلا . . . ولكنه لم يزل يتمايل ذات اليمين والشمال ثم قال واللّه كلامك مسك يا أبو الفضل واللّه لازم أبوس إيدك . وعندما أعطى أبو فضل يده إلى أبي خضر . . . هناك انتفض أبو خضر وحاول أن يطبق بخناق العم أبو فضل . . . مداعبا . .
فما كان من العم أبو فضل إلا شهق شهيقا بأعلى صوته . . . من شدة الخوف اهتزت له أركان القاعة . . . فنزل الترجمان الأول والثاني والجمهور وتجمع الخدم للإسعاف داخل القاعة ، ولكن ما ذا حدث اسمع . . ابتعد أبو خضر عن العم أبو فضل في الحال ، وقبل ما يدخل القاعة أحد . . إلى الجهة الثانية من القاعة وصار يسأل بأعلى صوته العم أبو فضل :
مالك يا عمي أبو الفضل ؟ من تعدى عليك . . . كفى الشر وكان يسأل باتزان ولم يكن سكران البتة حتى أظهر لمن دخل من الجمهور بأنه جاء خصيصا لإسعاف العم أبو فضل . . . ولكن العم أبو فضل وقلبه لم يزل يخفق من الرعب كان يحمل عصاه وهو كما قلت كان أعرج . . . ويلحق العم أبو خضر متكئا على عصاه وعلى مسمع الحضور . يلعن أبوك على أبو أبو فضل . . . ولك كان خنقتني . . . يلعن أبو . . على أبو خضر . . . وكان العم أبو خضر يتظاهر بالعكس بأنه مسالم وكأنه لم يحدث شيء ما بينه وبين العم أبو فضل . إلى أن هدأ روع العم أبو فضل وظهرت القضية على الحضور ، وهناك هات يا ضحك وقهقهة ، وكان مشهدا غريبا أذيع ما بين جميع الرهبان والموظفين في الدير والبطريركية ، وأخذه الشعب وأصبح مثلا . . . وحادثا فكها على ألسنة كل من عرف الاثنين .
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل