أقيم بناء الدير والكنيسة منذ حوالي الألف وستمائة سنة تقريبا من قبل الناسك الزاهد مارسابا عليه السلام . جاء هذا القديس من الترانسفال من أعمال الأناضول ومعه جيش كبير ، فتركه وانزوى الناسك وبعض رفاقه في الدير ، وبقي هذا الجيش يسكن حول الدير من الخارج في الوادي والجبال المحيطة به ، وهذا الجيش عرف بقبيلة [ . . . ] « 1 » العبيدية . وقد فهمنا أيضا أن البعض من هذه القبيلة ثار منذ مائتي سنة وذبح ما يقرب من مائة وخمسين راهبا لم تزل جماجمهم داخل غرفة خاصة شاهدناها بأعيننا .
كان القديس سابا عدوا للنساء ، وقد اتخذ هذا الدير أو البرج بعيدا عن المدينة ، وحذر بعدم دخول المرأة إلى الدير ، وعمل بوصيته ليومنا هذا . وفي حالة اضطرار سيدة ما الزيارة يمكنها البقاء في برج صغير مقام بجانب المدخل الرئيسي للدير فقط .
ونظرا لموقع هذا الدير الموحش وبعده عن المدن والحضارة وزينة الدنيا ، فقد اتخذه بطريرك القدس للروم الأرثوذكس مقرا للرهبان الذين لا يؤدون الطاعة في سلك الرهبنة بالقدس ، وإليه كان يرسل الراهب العاصي ليمضي باقي حياته مسجونا .
وإني أذكر أيضا أن من أبناء الطائفة للروم الأرثوذكس من اتخذ الحياة الشقية ولم يجد من يعوله في الشيخوخة كان يقدم حياته فيلبس لباس الرهبان ، وينزوي مختارا في هذا الدير لقضاء ما تبقى له من العمر . أذكر من هؤلاء حنا أدرنلي ابن أخت يعقوب سعيد وشقيق صهرنا جورج أدرنلي ، ثم أحد أبناء الطائفة يعرف بالنعسان وغيرهم .
إن الحياة في هذا الدير شاقة ، فلا يجوز دخول أي من اللحوم والجبن والبيض أو السمن ، إنما الأكل هو العدس حتى بدون زيت ، العدس وبس . . . تناولنا من الرهبان المقيمين في هذا الدير العشاء معهم على المائدة الحجرية ، وكان العشاء عدس مسلوق وبصل ، ومن أراد الزيت عليه أن يستعمل من قوته . ثم قدم لنا الصالون نظرا لوسعه ، وهناك جميعنا نمنا على المقاعد الخشبية المقامة حول أطرافه ، ولكن هل من نوم ؟ ! !
كنا جميعا نتبادل النكات والفكاهة حتى أزعجنا الرهبان ، وكان أحدنا لطفي السنونو المتضلع بعلم الدين الأرثوذكس رغما عن صغر سنه كان يتحفنا بأقوال المسيح والقديسين والكنيسة ، ويرتل ما قسم إلى أن نمنا . وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل قرعت أجراس الدير فقمنا في الحال وحضرنا القداس داخل الكنيسة بخشوع تام ، ثم تناولنا القربان المقدس وسره ، وحمدنا الباري عز وجل على هذه الزيارة .
كانت زيارتنا هذه في سنة 1931 ، وقد صادف تأخر الشتاء في البلاد بصورة لم يسبق لها [ مثيل ] ، الأمر الذي جعل جميع رؤساء الدين من مختلف الطوائف المسيحية والمسلمين واليهود أن يقوموا بالصلوات ويتضرعوا للإله عز وجل أن يبعث الغيث . وهكذا ونحن في الدير بعد انتهاء القداس وسر القربان داخل الكنيسة ، خرجنا خلف رئيس الدير والرهبان إلى ساحة سماوية فسيحة بجوار قبر القديس سابا ، وركبنا وجلسنا لمدة كبيرة ، وكان الصندوق الفضي وفي داخله يد القديس سابا المحنطة بيده بالذات معنا محمولا بخشوع من الرئيس إلى الصباح ، وكانت طلبات ودعوات واستغاثات للغيث . وهكذا بعد الصلاة جلسنا على مقاعد خشبية كانت مقامة حول الساحة ووزعت علينا القداسة .
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل