كان الحندقوق يقضي ما يقرب من الشهر والنصف في الأرض الكائنة ما بين جبل النيكوفورية وشارع مقبرة مأمن اللّه بجوار إسطبل أبو شاكر . كانت هذه الأرض بصفتها ملكا لدير الروم فكانت تزرع خصيصا شعيرا لخيول البطريرك ، وهكذا كان العم أبو خضر يرعى الخيول مع بعض الساسة هناك ، ويضيف أصدقاءه ومعارفه من أبناء مدينة القدس ، ويقضون أوقاتا طيبه يأكلون اللحوم ويشربون النبيذ على مائدة العم أبي خضر ، ويستمعون إلى نوادره الفكاهية . فسقيا لتلك الأيام ، فكانت - والحق يقال - أيام خير وبركة وهناء وسعادة .
عزرا كوكيا
عزرا كوكيا معروف جدا لدى أبناء القدس منذ العهد العثماني ببخله وخفة دمه ، وله حوادث طريفة في مجال البخل تنقلها الأهالي من لسان إلى لسان . يعتبر كوكيا - والحق يقال - من أغنى أغنياء القدس ، وله أملاك عديدة في أشهر مواقع المدينة ، وبخاصة شارع يافا ، وكان رغما عن ثروته لا يعرف كيف الحياة . كان يحبني ويثق في ما أقوله من حيث تخمين الأملاك .
وقد صادف - نحن معشر موظفي المالية في غرفة كبيرة تضم أكثر من 11 موظفا و 13 محصل أموال في السراي داخل السور - أنه جاء ذكر كوكيا وبخله على ألسننا ، وقد جاءتني فكرة وعملت التمثيلية الآتية ترويحا عن النفس :
حسب طلبي جاءني في الحال مصطفى النشاشيبي مأمور الحجز بكوكيا ، وجلس بجانبي وشرب فنجان القهوة ، وكان الموظفون وكلهم آذان صاغية . قلت له : ما هذه الخبرية يا كوكيا ؟ أجاب ما ذا ؟ قلت له هناك إشاعة تقول إنك عملت وصية ذكرت فيها ( أن يضعوا لك عشرة ليرات ذهب في باب . . . ) . أهل هذا صحيح ؟ فانتفض وغضب وقال أعوذ باللّه من قال هذا ؟ لا يجوز شرعا . وأجبته إذا ، اعرف وأنت في الحياة . ففهم ما كنت أقصده . وقال ما ذا تريد ؟
قلت ليس أكثر من 24 فنجانا من القهوة لنا جميعا . فعندها ضحك وأمر وجاءت القهوة وشربناها على اسمه ! ! سايس ذميانوس أبو خضر الحندقوق
كان غبطة البطريرك ذميانوس ولوعا بالخيول العربية ، ولما كان في أوج علاه من الرغد والترف والشهرة ، كانت تهدى له الخيول الأصيلة من مشايخ البلاد وأعيانها . وهكذا وجدت لديه مجموعة نادرة من الخيول الأصيلة ومنها ما كان يصلح لجر عرباته الخاصة .
وكان من بعض الساسة لهذه الخيول رجل يعرف بأبي خضر الحندقوق . وكان أبو خضر نادرا وفريدا في الفكاهة والنكتة ، و [ أما ] خفة الروح والدم فحدث ولا حرج . وكان البطريرك نفسه ، ثم المطارنة والشمامسة ، بل الرهبان وحتى موظفو البطريركية وعمال الدير ، يرتاحون للتكلم والتحدث لهذا الرجل الفذ ، فكان - ولا شك - يملك قلوب الجميع واشتهر اسمه بين الأهلين من المقربين إلى البطريركية وكأنه جحا ( 1 ) . فهو كان - ولا شك - ذكيا لا معا ، وله مواقف وأحاديث شتى في هذا المضمار ، أدون فيما يلي ما استطعت منها لأخذ فكرة صغيرة عنه ( المقصود أبي خضر الحندقوق ) :