الرؤساء . كان لطيفا في حديثه ، وباشا في معاملاته ، وقد أحببناه جدا من قلوبنا ، وكان يصفح ويسامح كل من أساء إليه ، وإني أذكر هذا الحادث الطريف الذي وقع ، ليعطي القارئ صورة واضحة عن سمو أخلاقه .
كنت عادة ولكثرة أشغالي في تخمين الأملاك أشتغل وأعضاء اللجنة زيادة عن ساعات العمل تتجول فيها من بيت لآخر ، وأحيانا لعند الغروب ، وهكذا كنت ليس مقيدا بأن أحضر في الصباح الباكر مع باقي الموظفين ، ولا أوقع سجل الدوام معهم .
وقد صدق أن أخي وصديقي يوسف عبده عرج مبكرا ذات يوم وسأل عني ، فأجابه أخينا سليمان فراج بأن واصف لم يحضر الآن ، وعليه جلس يوسف بجانب سليمان وشربا القهوة . وفي أثناء الحفلة أخذ ورقه وقلم وكتب كتابا شديد اللهجة يؤنبني فيه على تأخري عن الدائرة في الصباح ، ويهددني بعدم التأخير وإلا ستجري بحقي المعاملة القانونية ، إلى ما هنا لك من كلمات ، وكأنها صادرة رسميا عن مساعد الحاكم .
كان هذا الكتاب مداعبة ليس إلا ، وقد أخذه سليمان ووقع توقيع نصوحي بيضون وكان قد أتقنه كل الإتقان من المعاملات ، ثم أغلق الكتاب وأدخله ضمن ظرف حكومي رسمي ، وكتب العنوان إلى السيد واصف جوهرية ، ووضعه جانبا على مكتبه أملا أن يسلمني إياه عند حضوري للضحك . ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه . . . فقد أخذ مأمور الحجز مصطفى النشاشيبي الكتاب خلسة من على المكتب وبدون معرفة سليمان وقد سلمني إياه في الحال عند وصولي باب السراي الرئيسي .
قرأت الكتاب وهالني ما قرأته فنرفزت بالحال وتأثرت من معاملة الحكومة وعدم تقديرها لأتعابي ، وقد أخذت الكتاب بيدي ودخلت لمواجهة نصوحي بك الذي وقع هذا الكتاب .
وهنا بيت القصيد :
شكوت أمري إلى البيك وعرفته ما أقوم به من أشغال وأتعاب بعد ساعات العمل ، وأثبت له فعلا من القيود التي كنت أحتفظ بها من اليوم السابق ، وبينت له شدة تأثري ، فما كان منه إلا أن طيب خاطري وأخذ الكتاب مني ورماه في الصندوق المعد للأوراق ، وقال لا تزعل يا واصف ، فإننا جميعا نقدر أتعابك وسأنظر أنا في الأمر ، فلا تهتم فشكرته وخرجت من غرفته ، وإذ أخينا سليمان معبوك الوجه وعيونه تقدح من الشرار وفاجئني :
واصف أين المكتوب ؟
أجبته أنه مع نصوحي بك وقد طيب خاطري وقال لي لا أهتم بالأمر !
وعندها صفق سليمان بيديه وقال يا شيخ ! ! المسألة ضحكة يا ضحكة لعنة اللّه على مصطفى النشاشيبي ، وأنا وقعت الكتاب وليس نصوحي بك ولا حاجة ! ! ويا للفضيحة الآن ما ذا يعمل نصوحي بك في . . . ؟ ! ! كدت أن أغمي على حالي من الضحك ، وتساءلت نفسي [ كيف مرت على نصوحي بك طالما أنه لم يوقع الكتاب بنفسه ] ثم تشجعت وقلت إلى سلمان انتظر ولا يهمك .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 492
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٩٢