ولكن مع كل أسف ذهبت آمال العرب أدراج الرياح ، واقتنعت بأن بريطانيا الحليفة لهم التي أقاموها وصيا عليهم خانت - بكل ما في هذه الكلمة من معنى - خانت الأمانة وغدرت بهم ، فوعدت اليهود بالوطن القومي ، وسلمت القصر إلى الأعداء المغتصبين دون أي ذنب كما هو معلوم لدى العالم . وعلى الرغم عن سياسة المندوب السامي السير هربرت صموئيل الخبيثة ، وتملقه لدى السكان العرب وإكرامهم في المال والمناصب و . . و . . الخ ، فقد وجد هذا المندوب أن العرب لا يسكتون له عن ظيم ، وقابلوا الهدف الذي كان يرمي إليه بتهويد البلاد بالقوة ، فقامت المظاهرات واتحد الشعب ، وخصوصا من مسلمين ومسيحيين ، ثم قامت الثورات المتوالية من فئة صغيرة لا تملك السلاح بل الإيمان والإيمان فقط ، ثورات متوالية ضمن المدة القصيرة الذي حكم فيها البلاد حوالي الخمس سنين . كانت العرب تفتك باليهود علنا ، ثم تطاولت وفتكت بالجيش البريطاني الذي كان يملأ البلاد في عرضها وطولها .
كانت حفلات السير هربرت صموئيل تشبه ليالي هارون الرشيد ، وذلك في القاعات الفسيحة داخل مقره عمارة الألمان المعروفة بالأوغستا فيكتوريا المقامة على جبل الزيتون ، وفي هذا القصر كان يجتمع المدعوون من أعيان البلاد ومن أعظم الشخصيات المعروفة من أعلى الأسر والعائلات ، وبعد كل هذا ذاق السير هربرت صموئيل الألم وعرف في قرارة نفسه شهامة العرب رغما عن وجود الأقلية المنافقة منها . . . وهكذا ترك البلاد وشأنها بعدما عمل كل ما في استطاعته من تأسيس إدارة مدنية مبنية على النهوض في تنفيذ الوطن القومي فيها .
وبموجب خطة مرسومة ما بين بريطانيا والصهاينة ، تعين خلفه رجل عسكري قوي وهو الفيلد مارشال بلومر ، وذلك في صيف سنة 1925 ، وعندما دخل البلاد مباشرة حافظ على النظام العسكري تماما ، فلم يتصل لا من قريب ولا من بعيد مع الشعب ، ولم يقم الحفلات ، ولم يتحيز مع أي حزب في البلاد ، بل بقي محافظا كل المحافظة على مركزه العسكري ، وبهذه الواسطة نامت البلاد ولم تتحرك بأي ساكن طيلة مدة حكمه في فلسطين ، إلى أن انتهى دوره على المسرح لغاية سنة 1928 في فصل الخريف .
بناء عليه ، لم أجد مجالا لكتابة شيء عن القدس في المجال السياسي بصورة خاصة ، فكان الفيلد مارشال بلومر لا يظهر إلا في مناسبات الاحتفالات الرسمية الحكومية ، وأخصها استعراضات الجيش التي كانت الشغل الشاغل له حسب الخطة المرسومة من صاحبة الجلالة ومتطلبات البلاد آنذاك .
ضريبة الأملاك في المدن لمدينة القدس
في دائرة حاكم لواء القدس ضمن مستشفى البطريركية الأرثوذكسية ، عزمت الحكومة على إبدال رسم الويركو الذي كنا نسير عليه منذ الاحتلال البريطاني لغاية 31 مارس سنة 1929 برسم جديد يعرف بضريبة الأملاك في المدن ، وقد بوشر بوضع تصميم هذا الرسم في سنة 1928 ، وكنت من أحد موظفي مؤسسية كما يلي :
تعينت لمدينة القدس ست لجان تخمين ، وكانت اللجنة مؤلفة من موظف حكومي رئيسا ، ثم مساح قانوني ، ثم مساح قانوني ، ثم عضوين من ملاكي وأعيان المدينة ، فالرئيس له صوتان ، وللمساح صوت واحد ، وصوت واحد لكل من العضوين يشكلون خمسة