خامر شك أخي خليل بأن السارق هو محمد عارف لا محالة ، وقد جاء وأسرها في أذن توفيق مراد الذي جن جنونه ودافع عن محمد عارف بصفته رجلا أمينا وطاعنا في السن ، ولا يتنازل على عمل دنيء مثل هذا ، وخصوصا أن القيمة زهيدة .
وعليه ، لم يقتنع أخي خليل ، ولكن نظرا لكرامة هذا الرجل لم يشأ أن يفاتحه وانتهى الأمر ، إنما بقي خليل وعنده اليقين بأن محمد عارف هو الجاني الوحيد .
حدث هذا الحادث في دائرة بلدية القدس الواقعة ما بين شارع يافا وشارع مأمن اللّه المقابلة لباب الخليل ، وقد مرت الأيام والسنين وتناست القصة وأصبحت في دور كان .
وقد صادف زيارة الدكتور سلمون القدس واشتغل على مسارحها العديدة في علم التنويم المغنطيسي ، وأشتهر اسمه ومقدرته في هذا الفن ، فأخذ قلوب الناس وربح مرابح قيمة . فتذكر أخي خليل القصة وأخذ توفيق مراد ودفع مبلغ نصف ليره وفتح ما كان يضمر في ذهنه عند الدكتور سلمون ، وقد قصد خليل بأن يبرهن لتوفيق أفندي مراد بأنه صائب بظنه بمحمد عارف . وعندما طرح خليل سؤاله أجاب الوسيط القائم أن السارق هو [ محمد عارف ] .
فطرب خليل لهذا الجواب ودهش توفيق مراد وهكذا فاتحا المسكين محمد عارف بالأمر ، وكانت صدمة له وفضيحة بين الموظفين إلى أن تدارك راغب بك الأمر وانتهى . ولكن أتدري ما كانت النتيجة ؟ فإليك ما أكتب وأسمع وتمعن :
قد صادف بعد مدة نقل البلدية القديمة إلى بنائها الجديد في شارع يافا بما فيه بنك يانكلس ، « 1 » فعندما باشر أخي خليل بتنظيم أوراق مكتبه وأخرج جوارير المكتب من محلها ، نظر فوجد ما فقد له [ الإرسالية وقرومة الإيصالات بما فيه الليرتان ] فشهق عاليا وتألم وندم ما عمله بالمسكين محمد عارف ، وجاء بالفعل مع توفيق مراد واعتذرا إلى هذا الموظف الأمين ، ولعنا الدكتور سلمون وعلم التنويم ، وهنا بيت القصيد ، فلو ما ظن أخي خليل بهذا الموظف وذكر اسمه في قرارة نفسه عند الفتح . . . لما استطاع الوسيط أن يذكر الاسم أبدا . هذه صورة عن ما حدث معنا بالفعل بخصوص علم التنويم المغنطيسي وفيها الإفادة .
أفديك طائفتي وأفدي من سعى
أقام أخي وصديقي صليبا الجوزي مدير المدرسة الأرثوذكسية الوطنية حفلة في قاعة جمعية الشبان المسيحية بالقدس بمناسبة تخريج بعض التلامذة ، ودعا لهذه الحفلة نخبة من الأدباء والأعيان ، وكنت أنا وعودي للترويح عن نفوس الحضور .
فكرت لهذه المرة ترك الغناء الغربي والغرابة ، وفي هذه المناسبة توفق أخي صليبا فحول قصيدة " أفديه إن حفظ الهوى أو ضيع " إلى كلمات علمية وطنية تناسب المقام . القصيدة المذكورة هي من تلحين الملحن المعروف القديم المغفور له الشيخ أبو العلاء محمد ، وقد لحنها وغناها وسجلها على أسطوانة قديما من مقام البيات ، فجاءت آية في الفن والطرب ، حتى أن المطربة أم كلثوم أحبتها وغنتها في صوتها الحنون وسجلتها على أسطوانة كان الإقبال على ابتياعها عظيما :
هامش
( 1 ) ربما يقصد بنك باركليز