خيرية وفرقتها حتى الساعة الثالثة صباحا تجلت فيها خيرية وأبدعت كل الإبداع ، وكانت - والحق يقال - بمناسبة وجود هذه الشلة المنتخبة من أبناء القدس المعروفين بميولهم الفنية وتقديرهم للموسيقى كانت ليلة من العمر .
وقد حمست صديقي راغب بك رئيس بلدية القدس بالاجتماع بها والاستماع إلى غنائها ، فكان ذلك ، فأحيينا ليلة في بيتنا في محلة النيكوفورية ضمت نخبة من : راغب بك ، وعلي جار اللّه ، وإسحاق البديري ، وماجد بك عبد الهادي ، وحمادة العفيفي ، وتوفيق مراد ، وراغب العفيفي ، وفخري النشاشيبي ، وحسن صدقي الدجاني . . . وغيرهم .
القلم يعجز عن وصف تلك السهرة ، وقد أهديت ناقر الرق رقا جميلا من المجموعة الجوهرية للذكرى . لم أزل أذكر القصيدة التي أبدعت خيرية في غنائها إبداعا عظيما من مقام الحجاز كان مطلعها :
أحمامة الوادي بمنعرج اللوا * هيجت ويحك لوحتي ببكاك
لا تنكري عني سألتك مقسما * بحياة من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيت من ألم الجوى * وفراق من أهوى أأنت كذاك
تعلمت هذه القصيدة لحنا من المطربة خيرية ، وكنت أغنيها بكل إتقان في سهراتي العديدة بعد اجتماعنا بخيرية ، ونذكر هذه المطربة ونثني عليها ليومنا هذا . . . فسقيا لتلك الأيام !
أذكر أيضا أنه عندما بدأنا في السهرة في بيتنا فضلنا إقامة الحفلة في الساحة الخارجية للبيت التي تظللها جذوع الكرمة المورقة حول نافورة الماء بين الأزهار والرياحين ، ولكن عندما عزفت الفرقة الآلية وغنت المطربة خيرية أصبح سور الدار العمومي ومن جميع أطرافه محاطا بأناس مختلفين ، الأمر الذي جعلنا نتعجب ، فدخلنا المتحف اضطرابا ، ودهشت خيرية لما شاهدته من روائع الفن ، وعلى الأخص الآلات الموسيقية ورسوم فطاحل المطربين والملحنين والعازفين القدماء ، التي تزين جدران غرفة الموسيقى المؤدية لمدخل قاعة التحف الأثرية المشهورة .
المنوم المغناطيسي الدكتور داهش
تعرفنا بالدكتور داهش في بيت السيدة فريدة القطان الواقع في آخر منازل الدهيشة طريق الخليل . إنه من عائلة سريانية متواضعة كانوا يسكنون مدينة بيت لحم ، وظهرت مواهبه في فن التنويم المغناطيسي منذ الصغر ، فقد تعلم وطالع وصرف العمر الأكبر من حياته في التنقيب والتفتيش عن زوايا هذا العلم حتى أصبح دكتورا له شهرته وقيمته المرموقة .
كان يقيم الحفلات في كثير من مسارح القدس والمنازل في القدس وبيت لحم ، حتى استهوى قلوب المشاهدين ، وأصبح نجمه يتلألأ في هذا العلم النادر الظريف . تواصلت صداقتي مع الدكتور ، وكنا نقضي الليالي الطويلة ندهش بالفعل من أعماله عندما ينوم أخته المعروفة بأنطونيت ، وله حوادث عجيبة بين الأهلين القلم يعجز عن وصفها .