وهات علي ضحك ، ولكن سرا بكبت الأنفاس من المجموعة الواقعة . . . الأمر الذي زاد السيد منطورة غضبا فصاح بأعلى صوته كفى . . . كفى . . . مساخر ، وهكذا خرجنا وعلى رؤوسنا الطير . . . وبعدما ترك السيد منطورة الدائرة تركنا الدائرة نحن بدورنا بلا رجعة . حتى جاء الوقت المناسب ورضي عنا بعد أيام ولم يعاقب أحد .
وقد شاء القدر أن يدخل السيد منطورة مرة أخرى في ذات يوم من بعد الظهر ، إذ سمع عشور يغني قطعه " يا أختي عليها . . وعلى بطتها . . " . . . الخ . وكان صوته مثل لعنة اللّه على الكافرين ، فنرفز بالحال ورجع إلى مكتبه ، ولكن لم يفاتح عشور ولم يؤنبه على عمله هذا .
والجدير بالذكر قلت للموظفين في الحال " يظهر أن السيد منطورة يميل إلى الطقاطيق ، وإلا لما ذا لا يتكلم ولا كلمه واحدة مع عشور ؟ ! أما أنا فكنت أغني أروع القصائد معنى ومغنى ، وعلى إيقاع خاص ، فكان نصيبي أن أسمع منه كلاما قاسيا ، فباللّه عليك أهذا هو العدل ؟ !
وقد وصل هذا الكلام حرفيا للسيد منطورة فضحك وقال حقا إن واصف فنان فدعه وشأنه . . . وقد اعترف لي بذلك بمناسبة سهرة عائلية وقص عليهم ما كان يدور في الدائرة من غناء وهيصة في ساعات العمل وبعدها .
الناي تحت نوافذ الدائرة
إن نوافذ القاعة الكبرى من مستشفى دير الروم التي - أي القاعة - كانت مستعملة دائرة الإيرادات كانت تطل على الشارع مباشرة . هذا الشارع هو شارع البطريركية اللاتينية المكتظ دائما وأبدا بالبشر لوجود مخازن البقالة فيه . ولما كنا - كما قلت سابقا - نشتغل أياما كثيرة بعد الظهر ، بالإضافة لساعات العمل القانونية اتفقت مع [ عازف ] ، الناي - آنذاك - المدعو أبو داود فيضي أعمى يتكأ على ابنته ويتجول في شوارع القدس على نايه القصب من الحجم الكبير . وكان - رحمه اللّه - من أروع [ عازفي ] الناي خصوصا من مقام النهاوند ، وكان الناس يعطفون عليه ويعطونه ما قسم حسنة لوجه اللّه .
اتفقت وأبا داود أن أدفع له عشرة قروش عندما يحضر ويجلس تحت النوافذ على الناي لمدة وكان ذلك ، ولكن عملي هذا السري اضطر السيد منطورة بعد مدة من منعه بواسطة البوليس ، الأمر الذي أغضب [ عازف ] ، الناي . وفي ذات يوم عرج المستر كيث روتش وشاهد البوليس يمنع أبا داود ويقوده إلى جهة باب الخليل ، فصاح أبا داود وشكا أمره إلى الحاكم الذي كان يتجادل مع البوليس شفقة منه على السائل ، إلى أن كانت النتيجة بأن المستر كيث روتش صرح لهذا الفاجر بالبقاء تحت النوافذ ، وخصوصا بعد الظهر ، عندما تكون السراي مغلقة وتناسى أن قسم الإيرادات يواظب على الحضور ، بما فيه واصف صاحب هذا الكتاب العاشق الولهان للموسيقى ! !
كان ذلك لحسن حظنا ، فكنا مرارا نشتغل على أنغام عربية مطربة ، وقد ربحنا بهذه العملية تغيب السيد منطورة بيننا ، لأنه كان لا يطيق الاستماع لموسيقى أو غيرها ، وهو في عمله ولم يعرف من قام بهذه المؤامرة .