كانت هذه الفئة تضم ما شاء اللّه محمد عارف مدير المال ، وإبراهيم العلمي مأمور الويركو ، ثم الأعضاء في الحانة . . .
سليمان يونس ، وسليمان الوعري ، والنديم يعقوب برامكي ، وسابا الشماع ، وبعض الحاشية من محصلي الأموال ، ومأموري الحجز أمثال عبد الرحمن الأنصاري ، وفؤاد القطب ، وشكري النشاشيبي . . . وغيرهم .
وقد صادف بعد ظهر نهار الأحد وجميعنا في المكتب على أتم الحظ والانبساط . . . بينما العالم في أسره في بيوتهم ، جلس كل منا على مكتبه لا يستطيع أن يميز رقم واحد من رقم 9 ! ! أخذتنا نشوة الخمر وبغمزة من مدير المال بدأت أغني بأعلى صوتي قصيدة :
غيري على السلوان قادر * وسواي بالعشاق غادر
لي في الغرام سريرة * واللّه أعلم بالسرائر
ومشبه بالغصن قلبي * لا يزال عليه طائر
حلو الحديث وإنها * لحلاوة شقت مرائر
وهي من تأليف الشاعر عمر بن الفارض ، ومن تلحين وغناء الموسيقار المعروف المرحوم الشيخ أبو العلاء محمد ، وقد أبدع المطرب الشيخ سيد الصفتي في غنائها أيضا ، خصوصا في مقهى العارف بالقدس . إنها من أروع القصائد معنى ومغنى ، وقد سرت فيها على أصول الواحدة ، فهاج الموظفون وماجوا طربا ، وكان كل واحد منهم والقاعة كبيرة يطلب الإعادة مني ويتأوه بالآه . . . وكانت ساعة من العمر لعن كل منا الوظيفة وحجز الحرية . . . ولكن كما قيل " وعند صفو الليالي يحدث الكدر . "
فقد تركت الموظفين وسرت إلى الباب الرئيسي فنظرت ، وإذ السيد منطورة واقف وعيونه من تحت النظارات تشع كالحجر من شدة الغضب . . . والعياذ باللّه . فبالطبع دهشت جدا من منظره وقفلت راجعا أقول للموظفين بصوت خافت :
" ولك . . . المستر منطورة . . . المستر منطورة في الإيوان . . "
ولكن من يسمع ، بل أغلبهم قال بأعلى صوته بلا منطورة وتنطورة . . . شو بجيبه الآن في هذا الوقت واليوم الأحد . وبعد برهة من الزمن ، إذ قرع الجرس من غرفته فذهبنا جميعا وعلى رأسنا مدير المال ، وأخذنا نصيبنا من الإرشادات القيمة . . .
وكانت العين علي أنا بالذات ، فقال لي وأنت يا واصف أهكذا تكون الوظيفة ؟ ! ! أغاني في دائرة الحاكم ؟ ! !
فأجبته إني غنيت شطرة واحدة من القصيدة وصدفة كانت في حضورك .
قال : لا . . . لا تكذب ، كنت واقفا خارج الغرفة أتسمع أكثر من نصف ساعة . . . وهناك حبكت النكتة الجوهرية ، خصوصا وأنا على جانب عظيم من الحظ ، فقلت له : " إذا يا سيد كنت مبسوط . . . وإلا لما ذا لا تدخل علينا ؟ !