تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
فظيعة ومضحكة ونادرة ، إلى أن أصبح قدماه إلى أعلى البنطلون بيض في بيض ، ثم تركهم ودخل السراي وهو على هذه الحال على مرأى من الشعب بأكمله . كان في الصباح يحب أن يقوم بالرياضة ، وهكذا كان وهو لم يزل في البيجاما يركب البسكليت ويجول بها لمدة طويلة فوق سطح السراي على مرأى من مدرسة الروم وفندق مرقص ، وجميع الجيران الساكنين حول العمارة السراي . كان عنده قط أسود
( Good Luck )
وكان يحبه حبا شديدا ، وفي كثير من الأيام كان يأمر بإغلاق جميع نوافذ القسم سكناه ، حتى نوافذ السراي لمنع البس العائدة لأصحاب فندق مرقص المجاور لنا من الدخول خوفا من غرامه مع قطه الأسود ! وقد ذكرني هذا الحادث بأحد فصول كراكوز وعواظ « 1 » عندما يصيح كراكوز بأعلى صوته : " يا فضيحتنا . . يا هتك عرضنا . . بس الجيران نط ع بستنا " . وعندما تعين جورج عيسى نخلة قرط قائم مقام قضاء القدس ، كما سأتحدث عنه في الفصول اللاحقة ، وكان جورج قرط معروفا بأنه من أشهر الصيادين . . . وعندما كنا نعمل في السراي في ساعات العمل ، إذ أرسل الباشا القواس خليل خويص الطوري ، وطلب من قرط أن يمد الحاكم أو الباشا ببارودة الصيد . . . لما ذا ؟ ! لأجل أن يقتل بها بس عائلة مرقص . فتصور ، وكان قرط يجلب البارودة معه للمكتب بدلا من القلم . وإني لم أزل أذكر بطرب خاص دعوة الباشا في كل سنة لجيران السراي أمثال : باسيل فتالة - نجار زيتون ، وحنا وأسبير بلاطة - نجاران ، ميناس الحلاق المشهور وغيرهم من أصحاب الدكاكين المجاورة لدائرة الحاكم فكانوا يحضرون بألبستهم الثمينة إجلالا وإكراما للحاكم ، ويجاملون الباشا بالأحاديث والدعوات الخيرية . . . وهناك المنظر النادر لشخصية الباشا ونفخته ولباسه ونياشينه . . . فسقيا لتلك الأيام ! وكما قيل وللّه في خلقه شؤون . وقد تخلصت مرارا من زيارة الباشا للمجموعة الجوهرية خوفا من جرح شعور الباشا عندما يرى التحف النفيسة الجوهرية ويعتقد بأني باشا مثله لا سمح اللّه . غير المستر كيث روتش الكثير في الإدارة بعد انتهاء حكم السير رونالد ستورس ، وقد لاحظنا نحن الموظفين في دائرة الإيرادات أنه كان يعاكس كل من عرف عنه أنه من موالي السير رونالد ستورس حتى أنه قد غضب على رئيسنا مفتش المالية السيد عطا اللّه منطورة ، وأمره بأن يجلس مع الكتبة ، أي الموظفين من الدرجة الثانية في غرفة الإيرادات ، وكان ذلك لمدة طويلة بداعي أنه هو المسؤول عن ضبط قيود وسجلات الويركو والأعشار - آنذاك - وقد صادف بأن المستر كيث روتش دخل غرفتنا وعين بنفسه مكتبا للسيد منطورة بحذاء المدخل الرئيسي للغرفة ، الأمر الذي جعلنا نحن الموظفين نتأثر جدا بصفته رئيسا قديرا لنا ، ولكن وما باليد ولا حيلة الأمر لمن له الأمر . هذا ما استطعت أن أدونه عن حياة المستر إدوارد كيث روتش ، وهو قليل من كثير ، ولكني أعترف بأنه كان - كما قلت - طيب القلب ، ويحب مساعدة مرؤوسيه ، ولكنه ثبت لنا أيضا بأنه كان يفضل الصهاينة عن العرب كغيره من الإنكليزيين الذين جاءوا من قبله ومن بعده ، وجميعهم قارئون على يد معلم واحد ، فتسامحوا بتنفيذ الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، وشاطروا السياسية البريطانية الخائنة في بلادنا جزاهم اللّه شرا .
هامش
( 1 ) أنظر الكتاب الأول " القدس العثمانية " صفحة 82 .