التأنيب ، وحتى الموظفين من الدرجة الأولى ، فقد عاملهم مرارا بهذه الطريقة . وكان من المفروض أن يسلم هذه المسؤولية لرئيس الكتبة ، ويترفع عن هذه الشكليات الصغيرة بصفته سعادة حاكم لواء القدس .
كان يحب الظهور والشهرة ، فإذا ما مشى فقد صدق اللّه العظيم " ولا تمشي في الأرض مرحا " وزاد على ذلك كان يحب أن تلثم يديه من الشعب ، وخاصة من الفلاح المسكين ، فإذا ما لثم يديه قضيت حاجته ، ولو كانت كبيرة وقضيت في الحال . وقد أذكر أنني كنت زمن الحرب العظمى واشتغلت على عودي . . . في أريحا مع حاكم أريحا المعروف - آنذاك - ب مرجان بك . . . فكان مرجان بك قزما ، وعلى ما أعتقد أنه كان تركيا ومولودا في البلاد اليونانية ، لأنه كان يتكلم اليوناني بلباقة ، فكنت وميخائيل القزاز ومينا حلبي وغيرهم نلثم يده ونحصل على أسبوعين مأذونية نقضيها بالقدس هربا من حر أريحا الملعون .
وزاد على ذلك كان المستر كيث روتش يرتاح ويحب أن يعظم ( بالباشا ) ، وكثيرا ما كان يخاطب الشعب ويقول " أنت تعرف مع مين تحكي ؟ . . أنت تحكي مع الباشا " ! ! وله قصص وأحاديث مضحكة كثيرة في هذا الصدد .
ذهب في ذات مرة إلى الخليل ، وفي الشارع العام عند الغروب لاحظ وهو يقود سيارته المشهورة من الألمونيوم ذات مقعدين فقط ، وقف ورأى بعض القطع الزجاجية المحطمة ومنثورة على الشارع ، وهناك غضب وصاح بأعلى صوته ، فجاءت الأهالي من الفلاحين وقال لهم " أنا الباشا حاكم القدس ، فاهمين " إنتو لازم تلقطوا القزاز وبدأ يتكلم مع الأهلين . ولكن قامت هناك قيامة المستر كيث روتش ، وقال له " مين باشا ؟ . . أنت مش باشا . . أنا باشا بس حاكم القدس . . . وأنت لازم تلتقط القزاز معهم ، وهكذا امتثل هذا الشيخ وانحنى مع الأهلين ونفذ أوامر الباشا .
كان يعرج مرارا على مكتب تكسيات زنانيري فراج الواقع تحت كراكون بوليس باب الخليل في المنعطف المؤدي لشارع السراي - البطريركية اللاتينية . كان يحب المرحوم حنا فراج المعروف بأبي طناس ، فقد كان يوقف له سائقي سيارات المكتب صفا واحدا ويضربون له سلاما سيدنا الباشا فيرتاح الباشا جدا لهذا الاستعراض المنظم ، وهكذا امتلك العم أبو طناس قلب المستر كيث روتش حتى ارتفعت الكلفة وأصبح عائلة كيث روتش وفراج منسجمين وكأنهما عائلة واحدة .
وقد شاهدت بأم عيني مرة بأن إحدى السيارات العائدة للمكتب المذكور عرقلت سير سيارة المستر كيث روتش ، وهو راجع إلى السرايا وعندما نرفز المستر كيث روتش وكان شديد العصبية عندما رأى أبا طناس واقفا قال له : " هل هذه السيارة تبعنا ؟ ! ! أجاب أبو طناس نعم يا سعادة الباشا تبعنا واضعا يده على صدره " ، وهكذا وبالحال تبسم المستر كيث روتش وترك السيارة وشأنها .
كان يمنع المستر كيث روتش كل سيارة تقف في الشارع المؤدي إلى البطريركية بنفسه ، ثم كان يزاحم أصحاب الدكاكين وأكثرهم تجار من اللد من الجهة اليسرى لهذا الشارع ، كان يمنعهم من أن يضعوا أي بضاعة كانت حتى يدخلوها إلى دكاكينهم ويستعيذوا بالقرد عندما يعرج عنهم المستر كيث روتش . وقد صادف أنه وجد صحارة بيض خارج أحد أبواب هؤلاء التجار بطشون فما كان منه إلا أن نزل من السيارة ، وبواسطة قدميه وقف على البيض وكسره تحت قدميه بصورة
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 462
مساهمون: واصف جوهرية
ص٤٦٢