انتهاء وظيفة السير رونالد ستورس
صدر الأمر بانتهاء وظيفة السير رونالد ستورس وتعينه حاكما عاما على مستعمرة قبرص . ولما كنت موظفا في معيته منذ الاحتلال البريطاني ، أقام للموظفين من الدرجة الأولى والثانية حفلة وداع ، وذلك في بيته الواقع في طلعة المستشفى الإيطالي .
أذكر أن ستورس قد رفع إلى درجة سير بعد زواجه من الليدي ستورس المعروفة بأرملة ، فكانت هذه السيدة وكريماتها الثلاث يقدمن لنا الحلوى والشاي وغيره بأيديهن ، وقد برهن على أنهن من أرقى العائلات الإنكليزية بهذا التواضع ، فلن يدعن أي خادم أو خادمه يقمن بدلا منهن بالضيافة في هذه الحفلة وقد زاد لطفهن ، ولأجل الترفيه ، قد قمن لنا ببعض الألعاب ، فقد جلسن جميعهن على الأرض والموظفون معهن ومسكن معا أطراف شرشف كبير ووضعنه تحت ذقوننا ، وكان في وسط هذا الغطاء ريشه صغيره ريشة طير . . . فعندما كانت إحدى كريماتها تنادي بأعلى صوتها بواحد اثنين ثلاثة . . . كان المفروض بأن كل منا ومن حول هذا الغطاء أن ينفخ بأنفاسه بكل قوة ضد هذه الريشة خوفا من ركوزها على وجهه . . . وهناك الضحك والقهقهة ، فإذا ما ركزت هذه الريشة على وجه أحدنا . . . عليه أن يترك اللعب وهكذا .
وإني أذكر هذا الحادث وقد أخذ دورا كبيرا بين الموظفين ، فعندما بدأنا الجلوس على الأرض من على السجاد والليدي ستورس وكريماتها الثلاث الحسان جلس معنا بدون أدنى كلفة ، ولكن أحد الزملاء وهو سامي هداوي . . . اعتذر عن الجلوس قائلا لم يعتد على الجلوس أرضا . . . ثم وقف والجميع ينظرون إليه بكل دهشة وتعجب . . . ومن عرف هداوي ومعيشته منذ نشأته وولادته وبيته وحياته ينظر إليه نظرة مخزية ، وإلا ما معنى الليدي وكريماتها يجلسن بكل بساطة ليس لشيء سوى الوضاعة والترفيه عن الموظفين . . . ولكن لم يسلم سامي من اللذعات الجوهرية على عمله المخزي زمنا طويلا .
وقد ودعنا ستورس في المكتب ودخل كل موظف عنده واستلم رسمه ، وإني لم أزل أحتفظ به ضمن المجموعة الجوهرية موقعا باللون الأحمر حسب عادة ستورس بالتوقيع آنذاك . كان المستر كاست والمستر مانكتين والمستر بيلي من أقربائه والمحببين إليه . وفي الصباح من [ . . . ] « 1 » ركب القطار في محطة القدس ، وعندما وضع رجله على الدرجة الأولى التفت للجمهور من المودعين ، وكان جمهورا غفيرا ضم السفراء ورجال الدين لجميع الطوائف والسلك الدبلوماسي والقضاء ورؤساء الحكومة والوجوه والأعيان من العرب واليهود ، التفت إليهم وقال الكلمة الأخيرة " أرجو أن أراكم جميعا في قبرص " . . ! !
ملاحظة : كانت قبرص تعتبر منفى ومعتقل للمعتقلين السياسيين للإمبراطورية البريطانية آنذاك ، وعلى رأسهم المغفور له الملك حسين الأول جد الهاشميين الذي سلمه ابنه عبد اللّه . ولذلك قصد ستورس بالتمني للمدعوين أن يراهم في قبرص . . . وكانت النكتة لا تفارقه أثناء العمل والجد ، وهكذا أسدل الستار عن ستورس في فلسطين .
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل