تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
كان المستر كامبل من أطيب رجالات الإنكليز الذين دخلوا في الحملة من مصر عند الاحتلال ، وكان دمث الأخلاق متواضعا وإنسانا في كل ما لهذه الكلمة من معنى ، حتى أنه تبين لنا كمرؤوسين بأنه كان ذا وجدان ، وكان من الرجالات المعارضة لسياسة الإمبراطورية البريطانية وقصة الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، وكان عادلا في أحكامه ويعطف على العرب لما هم عليه من حقوق . وقد استقال من وظيفته سنة 1931 نظرا لشدة النضال العربي الذي كان في البلاد منذ إعلان نص وعد بلفور . والجدير بالذكر أنه عند تقديمه الاستقالة كتب بالحرف الواحد ما يلي : " إني لا أرغب أن تكون المسز كامبل أرملة كامبل في فلسطين لسياسة خاطئة " . وهكذا ترك البلاد ورجع لوطنه مرفوع الرأس مرتاح الضمير . كان زميلي داود ياسمينة المترجم الخاص لهذه المحكمة بالقدس ، وقد كتب عنه مرات عديدة في الترجمة ، وذلك في الصالون الكبير الأول من المدخل الرئيسي للسراي ملك الألمان شميدت باب العامود .

مائة ليرة مصرية وحجر ألماس

ومن حوادث العدل التي اتصف بها المستر كامبل عندما كان حاكم يافا ، أدون هذا الحادث الطريف كما حدثني عنه المرحوم والصحافي المعروف عيسى العيسى : عندما كان أحد بحارة يافا جالسا ويشرب الأركيلة على مقهى البورت المينا ، إذ جاءت ابنته وقالت له " بأنه مطلوب للبيت بوجه السرعة ، لأن والدتها خلفت مولودا أنثى الآن " . . . ولما كان هذا الرجل في حالة سيئة ماديا وهو يعيل عائلة كبيرة ، ترك الأركيلة وتنهد . . . وقال " لا حول ولا قوة إلا باللّه " . . ثم اضطر على ترك المقهى وسار إلى بيته لاعتقاده بأن زوجته ومن حولها بانتظاره ليقوم بما يتطلب الموقف من سد الحاجة . ولما كان يسير وحده في أزقة مدينة يافا القديمة إذ لمح " دزدان " على الأرض . . . وهكذا لقطه وفتحه فوجد " مائة ليرة مصرية قطعة واحدة " فطار فرحا ولم يصدق ما ذا رأى وأسرع في الحال وصرف المائة ليره من إحدى الصيارفة وأخذ مبلغ عشر ليرات ، فصرف منها ما يتطلب من سد حاجات الولادة . . . وشكر الباري عز وجل على هذه النعمة . . . ثم خبأ الدزدان وفيه التسعين ليره الباقية في صدره ورجع المقهى حسب عادته . سمع هذا البحار وهو جالس على المقهى الدلال ينادي : " يا أولاد الحلال يا رادين الأمانات واللهفات اللي شاف دزدان فيه مائة ليرة فله منها عشرة حلال زلال " . ولما كان هذا البحار أمينا وطيب القلب ويخاف اللّه رافق الدلال وصاحب الدزدان إلى المخفر ، وهناك أقر بما حدث له وأنه قد أخذ العشر ليرات سلفا لأنه كان في أمس الحاجة لنقود . . . ولكن تغلب الطمع على صاحب هذا الدزدان وحاول أن يوفر دفع العشر ليرات الذي سمح بإعطائها دفعة حلال لمن يجد له المبلغ فقال : أنا يا أخي لا تهمني المائة ليرة إنما المهم أنه كان مع المبلغ حجر ألماس . . . وحلف يمينا على ذلك !